تشهد مساحات واسعة من الاراضي العراقية انتعاشا زراعيا لافتا خلال الموسم الحالي، حيث عادت حقول الارز للظهور مجددا بعد سنوات طويلة من الجفاف القاسي الذي تسبب في تقلص المساحات المزروعة بشكل كبير. وجاء هذا التحسن بفضل الامطار الغزيرة التي هطلت مؤخرا وساهمت في رفع مناسيب نهري دجلة والفرات، مما منح الحكومة فرصة لتوسيع رقعة الزراعة لتصل الى مستويات قياسية لم تشهدها البلاد منذ سنوات.
واوضحت بيانات وزارة الزراعة ان السلطات وافقت على زراعة نحو 362 الف دونم من محصول الارز هذا العام، مقارنة بمساحات ضئيلة جدا كانت محددة في الموسم السابق بسبب شح المياه. واكد مزارعون في منطقة المشخاب بمحافظة النجف ان وفرة المياه الحالية شجعتهم على العودة الى العمل في اراضيهم التي ظلت مهجورة لفترات طويلة نتيجة نقص الموارد المائية وتراجع التدفقات من دول المنبع.
وكشفت تقارير مختصة ان احتياطيات العراق المائية شهدت قفزة نوعية، حيث ارتفعت من مستويات حرجة سجلت في الاعوام السابقة لتصل الى نحو 30 مليار متر مكعب حاليا. وبين الخبراء ان هذا التحسن الملحوظ في الخزين المائي يعد المحرك الرئيسي لعودة الحياة الى قطاع زراعة الارز، مما يبشر بموسم انتاجي يصل الى 300 الف طن، وهو رقم يعزز من طموحات البلاد في دعم الامن الغذائي المحلي.
تعزيز المخزون الاستراتيجي للبلاد
واضاف المتحدث باسم وزارة التجارة ان الحكومة تضع زيادة انتاج الارز المحلي على رأس اولوياتها، ليس فقط لتلبية الطلب الاستهلاكي المباشر، بل لتعزيز المخزون الاستراتيجي للسلع الاساسية. واكد ان هذه الخطوة تمنح الدولة مرونة كبيرة في مواجهة اي اضطرابات قد تحدث في سلاسل التوريد العالمية، مشيرا الى ان تجربة البلاد في التعامل مع تحديات اقليمية سابقة اثبتت اهمية وجود مخزونات كافية من المحاصيل الاستراتيجية.
واوضح المسؤول ان جزءا كبيرا من المحصول الجديد سيتم ضخه ضمن برنامج البطاقة التموينية لدعم الاسر العراقية، رغم ان البلاد لا تزال بحاجة لاستيراد كميات اضافية لتغطية الفجوة بين الانتاج والاستهلاك المحلي. وشدد على ان الاستمرار في هذا النهج الزراعي يمثل جزءا من استراتيجية حكومية اوسع تهدف الى تحقيق قدر اكبر من الاكتفاء الذاتي في السلع الغذائية الحيوية.
وتابع المصدر ان التوسع الزراعي الحالي يمثل فرصة ذهبية لتقليل الاعتماد على الاسواق الخارجية، مشيرا الى ان الحكومة تعمل على توظيف هذه الوفرة المائية لتحقيق توازن في اسعار المواد الغذائية وضمان وصولها الى المواطنين بأسعار مدعومة ومستقرة.
تحديات المناخ ومستقبل الزراعة
وكشفت دراسات دولية ان العراق لا يزال يصنف ضمن الدول الاكثر عرضة لمخاطر التغير المناخي، مما يفرض تحديات طويلة الامد امام استدامة هذه المكاسب الزراعية. واظهرت المؤشرات ان ارتفاع درجات الحرارة وتذبذب معدلات الامطار يظلان هاجسا يؤرق المزارعين والمسؤولين على حد سواء، خاصة مع الاعتماد الكبير على الموارد المائية القادمة من دول الجوار.
واكد مختصون في الشؤون الزراعية ان الحفاظ على هذه الانجازات يتطلب تبني تقنيات ري حديثة ومتطورة لترشيد استهلاك المياه، بدلا من الاعتماد الكلي على الطرق التقليدية التي تهدر كميات كبيرة من الموارد. وبينوا ان التوسع في زراعة المحاصيل كثيفة الاستهلاك للمياه يجب ان يرتبط بشكل وثيق بمستويات الخزين المائي المتاحة لضمان عدم حدوث ازمات مستقبلية.
واضاف الخبراء ان تعزيز التعاون الاقليمي مع دول الجوار يعد ركيزة اساسية لادارة الموارد المائية المشتركة، موضحين ان التنسيق الدبلوماسي والفني هو السبيل الوحيد لضمان تدفقات مائية مستقرة تحمي القطاع الزراعي من تقلبات الطبيعة والسياسات المائية الاقليمية.
