بقلم: طارق عوده
للمرة الثانية على التوالي تُمنع وقفات احتجاجية سلمية أراد المشاركون فيها التعبير عن دعمهم للمقاومة الفلسطينية وتأكيد الموقف الشعبي الأردني الرافض للاحتلال والعدوان. ومع تكرار هذا المنع، يصبح من حق كل مواطن أن يتساءل: هل أصبحت الحقوق الدستورية خاضعة للقرار الإداري؟ وهل باتت حرية التعبير والتجمع السلمي تُقيَّد كلما تعلقت بقضايا الأمة ومواقف الشعب؟
لقد نص الدستور الأردني في المادة (15) على كفالة حرية الرأي، ومنح كل أردني الحق في التعبير عن رأيه بالقول والكتابة وسائر وسائل التعبير ضمن حدود القانون. كما كفلت المادة (16) حق الاجتماع وتأليف الجمعيات والأحزاب السياسية المشروعة. وهذه الحقوق ليست امتيازات تمنحها السلطة متى شاءت وتسحبها متى شاءت، بل هي حقوق دستورية أصيلة تشكل جزءاً من العقد الذي يقوم عليه نظام الدولة.
إن الوقفة السلمية ليست جريمة، والهتاف ليس جناية، والتعبير عن الموقف السياسي ليس تهديداً للأمن العام. بل إن الشعوب الحية تُقاس بقدرتها على التعبير عن مواقفها، والدول القوية تُقاس بثقتها بمواطنيها واحترامها لحقوقهم.
إن منع الفعاليات السلمية الداعمة للمقاومة الفلسطينية يبعث برسائل مقلقة إلى الشارع الأردني، ويطرح تساؤلات جدية حول مستقبل الحريات العامة وحدود المشاركة الشعبية في الشأن العام. فحين يُمنع المواطن من الوقوف ساعةً حاملاً رأيه، فكيف يمكن إقناعه بأن صوته مسموع وأن حقوقه مصانة؟
كما أن الجدل المستمر حول التوقيف الإداري لبعض الناشطين وأصحاب الرأي يفرض ضرورة إعادة النظر في السياسات التي يرى منتقدوها أنها تضيّق مساحة العمل السياسي والشعبي السلمي. فالدولة التي تحترم نفسها لا تخشى الكلمة، ولا تعتبر الرأي المخالف خصماً يجب إسكات صوته.
إن الدفاع عن الدستور لا يكون بالشعارات، بل باحترام نصوصه وتطبيقها على أرض الواقع. وإن حماية الوطن لا تتعارض مع حماية الحريات، بل إن الحرية المسؤولة هي أحد أهم أسباب الاستقرار الحقيقي.
الأردن أكبر من أن يخشى وقفة سلمية، وأقوى من أن تهزه كلمة، وأعرق من أن يتراجع عن المبادئ الدستورية التي قامت عليها الدولة. ومن حق الأردنيين أن يطالبوا باحترام تلك المبادئ، وأن يرفضوا أي تضييق على حقهم في التعبير السلمي عن آرائهم ومواقفهم الوطنية والقومية.
فالدستور وُجد ليُحترم، والحقوق وُجدت لتُمارس، وصوت الشعب لا ينبغي أن يُواجه بالمنع، بل بالإصغاء.
