فقدت مدينة لندن مكانتها كقطب مالي موحد لخدمات الاتحاد الاوروبي بعد مرور عشر سنوات على خروج بريطانيا من التكتل، حيث واجهت الشركات البريطانية تحديات تنظيمية جديدة بعد انتهاء العمل بنظام جواز السفر المالي الذي كان يسهل تقديم الخدمات المالية عبر الحدود الاوروبية، واظهرت بيانات البنك المركزي الاوروبي ان لندن باتت تُصنف كدولة ثالثة مما فرض قيودا اضافية على التعاملات العابرة للحدود. واوضحت تقارير حديثة ان ناتج الخدمات المالية البريطانية وصل الى مستويات قياسية بلغت 307 مليارات جنيه استرليني في عام 2024، مما يمثل ركيزة اساسية للاقتصاد البريطاني بنسبة 12 بالمئة، واضافت المؤسسات المالية ان القطاع اضطر الى اعادة رسم خريطة اسواقه العالمية للتركيز اكثر على الولايات المتحدة واسيا والشرق الاوسط لتعويض التراجع في القارة العجوز. وبينت التحليلات ان الضرر الذي لحق بالقطاع لم يكن بالسوء الذي توقعه الاقتصاديون في البداية، حيث تمكنت لندن من الصمود بفضل تنوع قاعدتها الاستثمارية وقدرة المؤسسات المالية على التكيف مع القواعد التنظيمية الجديدة دون حدوث اضطرابات هيكلية كبرى.
تداعيات اقتصادية بعد الانفصال
وقال استاذ الاقتصاد بجامعة كينغز كوليدج جوناثان بورتس ان الاثر الاقتصادي العام لبريكست كان سلبيا كما توقع الخبراء، مشيرا الى ان الناتج المحلي الاجمالي لبريطانيا قد يكون اقل بنسبة تتراوح بين 3 و5 بالمئة عما كان سيكون عليه في حال البقاء ضمن الاتحاد، واضاف ان الضرر الاكبر وقع على الاقتصاد ككل بينما ظلت مدينة لندن محتفظة بجزء كبير من قوتها رغم فقدان بعض المزايا التنافسية. واكدت تقديرات مكتب مسؤولية الميزانية البريطاني ان انتاجية البلاد تأثرت على المدى الطويل بفعل اتفاقيات التجارة الجديدة، واوضحت وحدة اقتصاديات لندن الكبرى ان الاقتصاد المحلي للعاصمة كان سيكون اكبر بنحو 32 مليار جنيه استرليني لو لم يتم التصويت لصالح الخروج، وبين الخبير الاقتصادي ايان بيغ ان المخاوف من انهيار مركز لندن المالي ثبتت مبالغتها بشكل كبير مع انتقال محدود للوظائف والعمليات نحو باريس وفرانكفورت ودبلن.
تغيرات في هيكلية الخدمات المالية
وكشفت بيانات شركة ارنست آند يونغ ان 44 بالمئة من كبرى الشركات المالية في المملكة المتحدة اتخذت خطوات لنقل بعض عملياتها او موظفيها الى داخل الاتحاد الاوروبي، واضافت ان حجم الاصول التي انتقلت تجاوز 1.3 تريليون جنيه استرليني لضمان استمرارية خدمة العملاء الاوروبيين، وشدد البنك المركزي الاوروبي على ضرورة وجود ادارة مخاطر فعلية داخل الاتحاد الاوروبي وعدم الاكتفاء بوجود كيانات شكلية. واوضحت التقارير ان تسارع نقل الاصول حدث قبيل نهاية المرحلة الانتقالية في عام 2020 بعدما اتضح غياب التنازلات التجارية في قطاع الخدمات، واضافت ان عدد الموظفين الذين انتقلوا فعليا ظل عند مستويات متواضعة مقارنة بالتوقعات المتشائمة التي سبقت الاستفتاء، وبينت الدراسات ان الوظائف المالية في لندن لم تكن بالضرورة خسارة مباشرة بقدر ما كانت تباطؤا في وتيرة خلق فرص عمل جديدة في العاصمة البريطانية.
مستقبل لندن كمركز مالي عالمي
واظهر مؤشر المراكز المالية العالمية لعام 2026 ان لندن لا تزال تحتل المرتبة الثانية عالميا بعد نيويورك، واضافت مؤسسة مدينة لندن ان العاصمة البريطانية تظل اكبر مصدر صاف للخدمات المالية في العالم بفائض تجاري ضخم، واكدت ان الولايات المتحدة اصبحت الشريك التجاري الاول لبريطانيا في الخدمات المالية والمهنية بدلا من دول الاتحاد الاوروبي التي باتت تأتي في المرتبة الثانية. وبينت الاحصاءات ان لندن تستضيف اكثر من 160 بنكا اجنبيا وتستحوذ على حصة كبيرة من سوق الصرف الاجنبي العالمي، واضافت ان الترابط المالي بين المملكة المتحدة واوروبا ما يزال قائما حيث يتم تداول ثلثي المشتقات المالية المقومة باليورو داخل لندن، واكدت التقارير ان لندن نجحت في الحفاظ على ريادتها بفضل تنوعها العالمي وقوة بنيتها التحتية المالية التي تتجاوز حدود القارة الاوروبية.
