شهد الاقتصاد الالماني تحولا لافتا في سياساته المالية خلال العام الحالي، حيث سجلت الاستثمارات الحكومية اعلى معدلات نمو لها منذ ربع قرن، وذلك في خطوة استراتيجية تهدف الى تعزيز القدرات الدفاعية وتطوير البنية التحتية المتهالكة، واظهرت بيانات مكتب الاحصاء الاتحادي ان هذه القفزة النوعية تعكس توجها جديدا نحو ضخ سيولة ضخمة لتحريك عجلة النمو، واوضحت الارقام ان اجمالي الاستثمارات الحكومية وصل الى مستويات قياسية بلغت 147.5 مليار يورو، مسجلة ارتفاعا بنسبة تتجاوز 12 بالمئة مقارنة بالعام الماضي، وهو ما يمثل اقوى زيادة منذ مطلع الالفية الجديدة.

واكد خبراء الاقتصاد ان هذا النمو الاستثنائي لم يكن وليد الصدفة، بل كان مدفوعا بشكل رئيسي بزيادة الانفاق العسكري وشراء انظمة تسليح متطورة، وبينت التقارير ان استثمارات الدولة في المعدات شهدت قفزة هائلة بلغت نسبتها نحو 47.7 بالمئة، واضاف المحللون ان هذه الارقام تؤكد نجاح الصناديق الخاصة في توفير السيولة اللازمة لعمليات التحديث، موضحين ان التأثيرات الايجابية لهذه التوجهات بدأت تظهر ملامحها بوضوح على ارض الواقع.

تحديات البناء والاستثمار العام في المانيا

وكشفت البيانات الصادرة عن مكتب الاحصاء ان الاستثمارات في الاصول الثابتة استحوذت على حصة مؤثرة من الاقتصاد الالماني، واشارت التفاصيل الى ان الدولة سيطرت على جزء كبير من استثمارات قطاع البناء بنسبة تجاوزت 17 بالمئة، ورغم هذا التوسع الملحوظ، اوضح التقرير ان وتيرة النمو في قطاع البناء ظلت محدودة عند حاجز 2 بالمئة، وهو ما يعكس تباطؤا مقارنة بالفترات السابقة.

وشدد خبراء معهد الاقتصاد الكلي على ضرورة توخي الحذر في توجيه التمويلات الاضافية، واكدوا ان الاقتراض يجب ان يخصص لمشاريع استثمارية حقيقية ومستدامة، محذرين في الوقت ذاته من مغبة استنزاف هذه الموارد في نفقات استهلاكية او تخفيضات ضريبية لا تخدم النمو طويل الامد، واضافوا ان هناك مساحة واسعة للتحرك الحكومي لضمان كفاءة الانفاق.

الفجوة بين المانيا واوروبا في الاستثمار العام

وبينت المقارنات الدولية ان المانيا لا تزال تقبع دون متوسط الاتحاد الاوروبي فيما يتعلق بنسبة الاستثمارات الحكومية الى الناتج المحلي الاجمالي، واظهرت الارقام ان النسبة الالمانية توقفت عند 3.3 بالمئة، بينما يصل المتوسط الاوروبي الى 3.9 بالمئة، واكدت البيانات تصدر دول مثل استونيا وبولندا وفرنسا للمشهد الاستثماري، مما يضع برلين امام تحديات جديدة لتقليص الفجوة التنافسية مع جيرانها في القارة العجوز.