عاد ملف الاموال الايرانية المجمدة ليتصدر واجهة المشهد الاقتصادي والسياسي بين طهران وواشنطن، حيث يمثل هذا الملف نقطة ارتكاز حيوية لقدرة ايران على ادارة اسواق الصرف وتمويل الواردات الملحة. وتعمل هذه الاموال كمتنفس محتمل لاقتصاد يواجه ضغوطا تضخمية متصاعدة وتراجعا مستمرا في قيمة العملة المحلية، مما يجعل من فك التجميد اختبارا حقيقيا لمدى مرونة التفاهمات الجارية خلف الكواليس.
واوضحت بنود التفاهم المبدئي ان الولايات المتحدة تبدي استعدادا للسماح باستخدام الاصول المقيدة، مع توجيه الدفعات لمستفيدين محددين تحت اشراف البنك المركزي الايراني. واضافت المعطيات ان واشنطن تضع شروطا صارمة عبر تراخيص مصرفية خاصة، مما يثير تساؤلات جوهرية حول ما اذا كانت طهران ستتمتع بحرية التصرف في هذه الموارد، ام انها ستظل حبيسة اليات رقابية دقيقة تفرضها الادارة الامريكية.
واكد خبراء ان جوهر الصراع لا يكمن في مجرد الاعلان عن الافراج عن الاموال، بل في اليات التنفيذ الفعلية التي تضمن وصول هذه السيولة الى وجهتها المطلوبة دون عرقلة. واشاروا الى ان التجربة السابقة اثبتت ان المسافة بين التفاهم النظري والتحويل المصرفي الفعلي مليئة بالتعقيدات التقنية والسياسية التي تفرضها واشنطن كادوات ضغط.
ارقام غامضة ومعارك تنفيذية
وتتضارب التقديرات حول الحجم الفعلي للاموال المتاحة، حيث تشير التقارير الاعلامية الى مبالغ تتراوح بين 24 و25 مليار دولار، بينما تتركز المفاوضات على مبالغ اقل بكثير في المرحلة الاولى. واضافت المصادر ان طهران تسعى للحصول على كامل المبلغ، في حين تصر واشنطن على نهج الافراج المرحلي المرتبط بجدول زمني واجراءات مراقبة.
وبينت الرواية الايرانية الرسمية، عبر المتحدث باسم خارجيتها، ان طهران هي صاحبة القرار في كيفية توجيه هذه الموارد بما يخدم مصلحة البلاد. واكد ان ايران لن تقبل بقيود تعيق اختيارها للسلع المطلوبة، وهو ما يفتح الباب امام مواجهة دبلوماسية جديدة حول تعريف المصلحة الوطنية مقابل الشروط الامريكية.
وكشفت التحركات الاخيرة ان التفاهمات لم تصل بعد الى مرحلة الصرف النهائي، حيث تبرز قطر كساحة فنية لادارة هذه العملية. واضاف المسؤولون القطريون ان دورهم يقتصر على التنسيق الفني، مؤكدين ان الاموال ستوجه لاغراض انسانية محددة وفق الاتفاقيات السابقة، مما يقلص سقف التوقعات الايرانية بشأن استخدام السيولة بحرية مطلقة.
اولويات الانفاق وتحديات الهيكل الاقتصادي
وتسعى طهران الى توجيه السيولة الناتجة عن فك التجميد نحو دعم القطاع الصناعي وتوفير العملة الصعبة للمستوردين. واضاف مستشار البنك المركزي الايراني ان تخصيص مليارات الدولارات لدعم الانتاج يهدف الى تعويض الخسائر الناتجة عن سنوات الضغط الاقتصادي، معتبرا ان هذا التمويل يمثل شريان حياة للصناعات الوطنية.
وبينت التحليلات الاقتصادية ان نجاح هذه الخطوة يعتمد على كيفية ضخ الاموال في السوق. واكد مراقبون ان تحويل الاموال لدفع فواتير الموردين مباشرة قد يقلل من التضخم، بينما تحويلها الى ميزانية الدولة لتمويل العجز قد يؤدي الى نتائج عكسية تزيد من السيولة النقدية وتفاقم الازمة.
واظهرت تقديرات الخبراء ان الاقتصاد الايراني يعاني من مشكلات هيكلية اعمق من مجرد نقص العملة الصعبة. واضاف الخبير الاقتصادي آيزاك سعيديان ان هذه الاموال تعمل كمسكن مؤقت للازمات، لكنها لا تقدم علاجا جذريا للنمو الضعيف او تراجع الاستثمار او اختلالات الموازنة العامة.
رهان الضمانات والمستقبل
ويرى المختصون في الاقتصاد السياسي ان العقبة الحقيقية تكمن في غياب الضمانات التي تحمي هذه التفاهمات من التقلبات السياسية الامريكية. واضاف مرتضى شكري ان البنوك والشركات الدولية لا تزال تخشى العودة الى التعامل مع السوق الايرانية خوفا من عقوبات مستقبلية، مما يجعل التحرير المالي مجرد عملية ورقية ما لم تكن محمية بضمانات تنفيذية قانونية.
واكدت التجارب السابقة، مثل نقل الاموال عبر كوريا الجنوبية الى قطر، ان واشنطن تحتفظ بـ "فيتو" غير معلن يمنع ايران من التصرف بحرية في اصولها. واضاف شكري ان الرقابة الامريكية على الاموال المفرج عنها ستظل قائمة، مما يحول دون تحويلها الى سيولة نقدية مباشرة في خزينة البنك المركزي.
وكشفت التطورات الاخيرة ان الرخصة الامريكية لبيع النفط والمنتجات البتروكيماوية تسير بالتوازي مع ملف الاموال المجمدة. واضاف المحللون ان ايران امام اختبار مبكر لمدى قدرتها على استغلال هذه التسهيلات، مشددين على ان نجاحها يعتمد على تحويل هذه الاصول من ارقام مقيدة الى قوة شرائية حقيقية تدعم استقرار الاقتصاد على المدى الطويل.
