يواجه الاقتصاد العالمي تحديات غير مسبوقة في ظل تصاعد التوترات الجيوسياسية التي القت بظلالها على سلاسل الامداد العالمية. واظهر صندوق النقد الدولي في تقريره الاخير مشهدا اقتصاديا منقسما حيث ساهمت طفرة الذكاء الاصطناعي والسياسات المالية الامريكية في الحفاظ على وتيرة نمو مقبولة عالميا رغم صدمة الطاقة الناتجة عن تعطل الملاحة في مضيق هرمز. وبين التقرير ان العالم نجح في امتصاص جزء من الصدمة عبر الاستثمارات التكنولوجية والمكاسب الانتاجية التي حالت دون انزلاق الاقتصاد نحو ركود حاد.
وكشفت البيانات ان المنطقة العربية وتحديدا منطقة الشرق الاوسط دفعت ثمنا باهظا لهذه التوترات. واوضحت التقديرات ان اغلاق شريان الملاحة الخليجي ادى الى انكماش اقتصادي في المنطقة بنسبة نصف بالمائة مما يجعلها الاقل اداء على المستوى العالمي منذ مطلع القرن الحالي. واكد المحللون ان هذا الوضع وضع كبار منتجي النفط امام تحديات مزدوجة تتعلق بتراجع الانتاج واضطرابات اللوجستيات في وقت تترقب فيه الاسواق انفراجة قريبة.
واضاف الخبراء ان التطورات العسكرية تسببت في صدمة لوجستية شلت حركة نسبة كبيرة من تدفقات الطاقة العالمية. وشدد الصندوق على ان استمرار ارتفاع اسعار الطاقة بنسب تتراوح بين خمسة وعشرين واثنين وثلاثين بالمائة مقارنة بمستويات ما قبل الحرب ادى الى تجميد التقدم العالمي في كبح جماح التضخم. وبينت المؤشرات ان دورة التيسير النقدي شهدت توقفا مؤقتا في ظل هذه الضغوط الاقتصادية المتراكمة.
خارطة النمو في المنطقة
وبين السيناريو الاقتصادي الجديد ان اعادة فتح مضيق هرمز تدريجيا سيعيد رسم خارطة التوقعات للمنطقة في الفترة المقبلة. واشار الصندوق الى ان عام الفين وسبعة وعشرين سيشهد ارتدادا قويا على شكل حرف في في اقتصادات المنطقة مع تعافي حركة التجارة العالمية. واكد التقرير ان دولا مثل العراق والكويت وقطر ستشهد نموا متسارعا بعد تجاوز مرحلة الانكماش المؤقت التي فرضتها ظروف النقل والطاقة الحالية.
واوضحت البيانات ان تركيا تواجه ضغوطا اقتصادية ناتجة عن ضعف الطلب المحلي وارتفاع تكاليف الطاقة مما دفع الصندوق لتعديل توقعات نموها. واضاف التقرير ان الاقتصاد الايراني يعاني من انكماش حاد نتيجة العقوبات وتاثيرات الحرب المباشرة. وبينت التحليلات ان المنطقة ككل تنتظر تحسن الظروف الجيوسياسية لاستعادة عافيتها الاقتصادية وتحقيق مستهدفات النمو المطلوبة.
واظهرت المراجعات ان تعافي الصادرات وعودة الملاحة الى طبيعتها ستكون المحرك الاساسي للنمو في المنطقة. واكدت التقارير ان الاداء الاقتصادي المترقب في العام المقبل يعتمد بشكل رئيسي على استقرار الممرات المائية وتدفق السلع. واوضحت التوقعات ان هذا التعافي سيشمل كافة القطاعات الحيوية التي تضررت جراء الاغلاق المطول للمضيق.
مرونة الاقتصاد السعودي
وتصدر الاقتصاد السعودي المشهد بصفته الاكثر تماسكا وصمودا في مواجهة التداعيات الاقليمية. واكد صندوق النقد الدولي ان المملكة اظهرت مرونة عالية جعلتها اقل تأثرا بالصدمات الجيوسياسية مقارنة بجيرانها. واضاف التقرير ان التوقعات تشير الى قفزة قوية في نمو الاقتصاد السعودي لتصل الى خمسة ونصف بالمائة في العام المقبل مستندة الى استراتيجيات بديلة حمت زخم النمو الوطني.
وبينت الارقام ان السعودية نجحت في تحييد العديد من المخاطر عبر شبكة لوجستية متطورة ومسارات بديلة. واكد المحللون ان هذه الاستراتيجية مكنت المملكة من الحفاظ على وتيرة نمو مستقرة رغم التعديلات الطفيفة التي طالت التوقعات لهذا العام. واوضحت التقارير ان الثقة في الاقتصاد السعودي تعززت بفضل خطط التنويع الاقتصادي التي اثبتت كفاءتها في اوقات الازمات.
واشارت البيانات الى ان الانفراجة المرتقبة في العام المقبل ستعزز من مكانة المملكة الاقتصادية بشكل اكبر. واضاف التقرير ان السعودية تواصل المضي قدما في مشاريعها التنموية الكبرى رغم التقلبات العالمية. واكد الخبراء ان القدرة على التكيف مع المتغيرات الجيوسياسية تعد ركيزة اساسية في قوة الاقتصاد السعودي الحالية.
تباين حظوظ القوى الكبرى
وتشير البيانات الى ان الاقتصاد الامريكي لا يزال يحلق منفردا بفضل استثمارات الذكاء الاصطناعي والسياسات الضريبية المحفزة. واكد الصندوق ان الصين تواصل مقاومة الضغوط عبر قطاع الصناعات الدقيقة والاشغال العامة. وبينت التقارير ان دول شرق اسيا استفادت بشكل كبير من طفرة الطلب التقني العالمي مما دعم نموها الاقتصادي.
واوضحت النتائج ان اوروبا كانت الضحية الاكبر لصدمة الطاقة الحالية حيث تراجعت توقعات النمو بشكل ملحوظ في منطقة اليورو. واضاف المحللون ان الدول الاوروبية دفعت فاتورة باهظة نتيجة اعتمادها على مصادر الطاقة المتضررة من النزاعات. وبين التقرير ان التباين بين القوى الكبرى يعكس مدى ارتباط كل اقتصاد بمصادر الطاقة ومسارات التكنولوجيا.
واختتم الصندوق تقريره بتحذير جدي من ان تجدد الصراعات قد يضع العالم في موقف اكثر تعقيدا. وشدد على ان استنفاد الاحتياطيات النفطية الاستراتيجية يقلص هوامش المناورة امام الدول. واكدت التقارير ان استقرار الاقتصاد العالمي مرهون بمدى قدرة المجتمع الدولي على احتواء التوترات الجارية وتجنب حدوث تصحيحات مؤلمة في الاسواق العالمية.
