شكلت الزيارة الاخيرة لوزير الخارجية العراقي الى دمشق نقطة تحول بارزة في مسار العلاقات بين البلدين الجارين، حيث تجاوزت اللقاءات البروتوكولية لتضع حجر الاساس لشراكة استراتيجية ترتكز على ابعاد اقتصادية وامنية وسياسية. واكدت المباحثات التي اجراها الوزير مع المسؤولين السوريين على ضرورة الانتقال من التفاهمات العامة الى خطوات تنفيذية ملموسة، وهو ما تمخض عنه تشكيل لجان مشتركة تتولى ملفات حيوية تشمل الطاقة والزراعة والمياه وادارة المنافذ الحدودية.
وبينت التحركات الاخيرة ان دمشق وبغداد تسعيان الى فتح صفحة جديدة من التعاون، حيث جاءت هذه الزيارة تتويجا لمسار طويل من التواصل الدبلوماسي والامني الذي تبلور خلال الاشهر الماضية. واوضحت التقارير ان هناك رغبة حقيقية من الجانبين لتعزيز التبادل التجاري، وهو ما تجلى في الرسائل المتبادلة بين قيادات البلدين التي ركزت على اهمية التكامل الاقتصادي وتحصين الحدود المشتركة.
واشار مراقبون الى ان الواقع الميداني بدأ يعكس هذا التقارب من خلال زيادة حركة صهاريج النفط العراقية عبر الاراضي السورية، بالتزامن مع خطط طموحة لرفع معدلات التصدير اليومي. واكدت المصادر ان اعادة تفعيل المعابر البرية الاستراتيجية مثل القائم والبوكمال والتنف تعد ركيزة اساسية لاحياء حركة الترانزيت وتنشيط التجارة البينية التي تضررت بفعل سنوات الازمات.
الجغرافيا السياسية والتكامل الاقتصادي
واوضح الخبراء ان الموقع الجغرافي يفرض نوعا من التكامل الحتمي بين دمشق وبغداد، حيث يمثل العراق عمقا اقتصاديا وسوقا واعدة للمنتجات السورية، بينما توفر سوريا المنفذ الطبيعي للعراق نحو البحر المتوسط والاسواق العالمية. واضاف المحللون ان هذا الربط الجغرافي يمثل فرصة ذهبية لاعادة بناء سلاسل التوريد التي تربط بلاد الشام بالعمق العراقي، مما يسهم في خلق فضاء اقتصادي اقليمي فاعل.
واكد اكاديميون ان الحديث عن العلاقات الاقتصادية لا يبدأ من الصفر، بل هو محاولة لاستعادة قاعدة تجارية كانت قائمة في السابق، حيث وصلت معدلات التبادل الى مليارات الدولارات في اعوام سابقة. وبينوا ان التحركات الدبلوماسية الراهنة باتت تربط بوضوح بين استتباب الامن وتسهيل حركة التجارة، مما يجعل من الملفات الاقتصادية محركا اساسيا للاستقرار في المنطقة.
وشدد خبراء الاقتصاد على ان نجاح هذه الشراكة مرهون بتحويل النوايا السياسية الى اتفاقات قانونية واضحة، مع ضرورة تفعيل المؤسسات القطاعية المعنية بالنفط والطاقة والموارد المائية. واضافوا ان اعادة احياء طريق بغداد دمشق يمثل هدفا استراتيجيا يمكن ان يعود بالنفع على الطرفين في حال تم ادارة هذه الملفات بمهنية بعيدا عن التجاذبات السياسية.
التحديات الامنية واللوجستية
وتعد الحدود المشتركة التي تمتد لمئات الكيلومترات ساحة للتحديات والفرص في آن واحد، حيث يظل الملف الامني هو الهاجس الاكبر لضمان استدامة المشاريع الاقتصادية. واكد محللون ان حماية قوافل التجارة وضمان استقرار المعابر يتطلب تنسيقا امنيا رفيع المستوى بين الاجهزة المختصة في البلدين لمواجهة التهديدات المحتملة.
واضاف خبراء ان العقبات الفنية واللوجستية، ومن بينها تبعات العقوبات الدولية وضعف البنية التحتية، تشكل عائقا امام انسيابية التعاملات المالية بين المصارف والشركات. وبينوا ان غياب منظومة دفع وتسوية مالية آمنة يعد من ابرز التحديات التي يجب معالجتها لتشجيع القطاع الخاص على الاستثمار في كلا البلدين.
واكد المختصون ان استقرار المناطق الحدودية وتأمين الطرق البرية يمثلان شرطا لا غنى عنه لاي توسع اقتصادي مستقبلي. واضافوا ان تجاوز هذه التحديات يتطلب ارادة سياسية صلبة قادرة على تذليل العقبات التي عطلت التعاون لسنوات طويلة، مع ضرورة العمل على ايجاد بيئة قانونية تحمي المستثمرين ورؤوس الاموال.
توازنات النفوذ والمصالح الاقليمية
وتخضع العلاقات بين سوريا والعراق لتوازنات دقيقة تتأثر بمصالح القوى الاقليمية الفاعلة، وفي مقدمتها الدور الايراني الذي يراه مراقبون عاملا مؤثرا في مسار التعاون. واوضح باحثون ان صانع القرار في بغداد يجد نفسه امام معادلة صعبة توازن بين متطلبات الداخل العراقي والانفتاح على محيطه العربي، وبين الضغوط والارتباطات الاقليمية.
واضاف محللون ان تصنيف الحكومات العراقية وفقا لولاءاتها الخارجية هو امر يفتقر للدقة، حيث تسعى بغداد في المرحلة الراهنة الى تحقيق سياسة خارجية متوازنة تخدم مصالحها الوطنية اولا. وبينوا ان التوجه نحو دمشق يعكس رغبة عراقية في تنويع الخيارات الاقتصادية وتقليل الاعتماد على مسارات تجارية محدودة، وهو توجه يتقاطع مع مصلحة سوريا في كسر العزلة الاقتصادية.
واكد مراقبون ان مستقبل هذا التقارب سيتحدد بناء على قدرة الطرفين على تقديم مصالحهما الوطنية على الحسابات الاقليمية المتغيرة. واضافوا ان نجاح التجربة السورية العراقية في التعاون الاقتصادي قد يشكل نموذجا يحتذى به في المنطقة، بشرط ان يستند هذا التعاون الى اسس مؤسسية واضحة ومصالح متبادلة بعيدة المدى.
