هل شعرت يوما بان مزاجك تبدل فجأة بمجرد الجلوس بجانب شخص محبط او متوتر في العمل. تبدأ يومك بنشاط وابتسامة عريضة ولكن سرعان ما تشعر بالضيق وتتساءل عن السبب وراء هذا التحول المفاجئ في مشاعرك. كشفت الدراسات الحديثة ان ما تمر به ليس مجرد صدفة او تعاطف عابر بل هو ظاهرة نفسية دقيقة تسمى العدوى العاطفية حيث تنتقل المشاعر بين الافراد بطريقة لا واعية تماما كما تنتقل الفيروسات في الهواء.

واظهرت الابحاث اننا كبشر نمتلك شبكات اجتماعية وبيولوجية معقدة تجعلنا نتبادل الانفعالات والسلوكيات دون ان نشعر بذلك. واوضحت الباحثة سيغال بارساد ان المشاعر تنتشر داخل المجموعات البشرية كتاثير التموج في الماء حيث تؤثر الحالة المزاجية لشخص واحد على جودة النقاش والقرارات داخل الفريق بشكل مباشر. وبينت الدراسات ان هذه الظاهرة لا تقتصر على المشاعر الجيدة فحسب بل تشمل التوتر والقلق والضغوط النفسية التي نمارسها على بعضنا البعض دون قصد.

واكدت الاخصائية شيرين عبد العليم ان العدوى العاطفية تحدث عبر قنوات تواصل غير مرئية تتمثل في تعابير الوجه ونبرة الصوت ولغة الجسد. واضافت ان الطرف الاخر يتبنى الحالة العاطفية المقابلة له بشكل تلقائي مما يفسر سبب شعورنا بالبهجة عند الجلوس مع اشخاص مرحين او التوتر عند مرافقة اشخاص غاضبين.

كيف ينتقل الفيروس العاطفي عبر خلايا الدماغ

وبينت الدراسات ان هذه العملية تمر بسلسلة من المراحل التلقائية التي تبدأ بالتقليد غير الواعي للحركات وتعبيرات الوجه. واوضحت ان الدماغ يقوم بعد ذلك بعملية تغذية راجعة جسدية حيث يرسل الجهاز العصبي اشارات تؤكد صدق المشاعر المقلدة مما يمهد الطريق للتماهي العاطفي الكامل.

وكشفت شيرين عبد العليم عن الدور المحوري للخلايا العصبية المرآتية في هذه العملية. واوضحت ان هذه الخلايا تعمل كجهاز رادار داخلي يعيد تشغيل مشاعر الاخرين داخل ادمغتنا لتمكيننا من فهمهم. واضافت ان الثمن الذي ندفعه مقابل هذا الفهم هو انتقال الطاقة السلبية التي قد تنهك قوانا النفسية وتؤثر على استقرارنا الداخلي.

وشددت الابحاث على ان هذه العملية ليست اختيارية بل هي استجابة فطرية مبرمجة في عقولنا منذ الولادة. واظهرت التجارب ان الوعي بهذه الالية يمثل الخطوة الاولى للسيطرة عليها ومنعها من التسلل الى حياتنا اليومية بشكل سلبي.

الاثار الجانبية المترتبة على انتقال السلبية

واكدت التقارير الطبية ان التعرض المستمر لضغط الاخرين العاطفي لا يقتصر اثره على المزاج فقط بل يمتد ليشمل الصحة الجسدية. وبينت ان الجسم يستجيب لهذا التوتر عبر رفع مستويات الكورتيزول والادرينالين مما يدخل الانسان في حالة استنفار مستمرة تؤدي الى الارهاق الشديد.

واضافت ان هذا التوتر المزمن يؤثر بشكل مباشر على كفاءة الجهاز المناعي مما يجعل الفرد اكثر عرضة للامراض. واوضحت ان الاعراض الجسدية مثل الصداع واضطرابات النوم وتشنج العضلات اصبحت شائعة جدا بين الاشخاص الذين يعملون في بيئات مشحونة بالتوتر.

وكشفت الدراسات ان القدرة على التركيز والذاكرة قصيرة المدى تتأثر بشكل كبير نتيجة استهلاك الموارد الذهنية في معالجة سلبية الاخرين. واكدت ان اتخاذ القرارات يصبح اكثر صعوبة عندما يكون العقل مشغولا بامتصاص طاقة من حوله بدلا من التركيز على المهام المطلوبة.

استراتيجيات بناء المناعة النفسية

وبينت الخبيرة ان وضع حدود صحية هو السبيل الامثل لحماية النفس دون الانعزال عن المجتمع. واوضحت ان تحديد وقت معين للاستماع للشكاوى يساعد في وضع مسافة بينك وبين مشاكل الاخرين دون ان تفقد تعاطفك الانساني.

واضافت ان تفعيل الدرع المعرفي عبر سؤال النفس هل هذا الشعور يخصني ام يخص الطرف الاخر يساهم في الفصل العاطفي. وشددت على اهمية استخدام ادوات بسيطة مثل سماعات عازلة للضوضاء في بيئات العمل المفتوحة لتقليل التعرض للمحفزات البصرية والسمعية الموترة.

واكدت ان الوعي بحدوث العدوى يقلل من تأثيرها بشكل كبير. وبينت ان البرامج العلاجية مثل العلاج الجدلي السلوكي توفر تقنيات فعالة لتعزيز اليقظة الذهنية والقدرة على مواجهة ضغوط الاخرين بمرونة عالية.

كن انت مصدر العدوى الايجابية

واوضحت الخبيرة ان الانسان ليس مجرد ضحية للبيئة المحيطة به بل يمكنه ان يكون هو المؤثر الايجابي. واضافت ان بناء الوعي بالخلايا المرآتية يمنحك القدرة على تحويل المعادلة لصالحك. وبينت ان الهدوء والايجابية التي تظهرها يمكن ان تصبح هي العدوى التي تنتقل لمن حولك وتمنحهم مساحة للتعافي.

وختمت بالقول ان الغريق يحتاج لمن يأخذ بيده الى بر الامان لا لمن يغرق معه. واكدت ان حماية صحتك النفسية هي مسؤولية شخصية تتطلب ممارسة واعية ومستمرة للحدود النفسية والتمسك بالتفاؤل.