تشهد المدن التونسية تحولا لافتا في سلوك المستهلكين اليومي حيث لم يعد الهدف البحث عن الجديد بل التركيز على اطالة عمر المقتنيات الحالية. وتكتظ محلات الخياطة بالملابس التي تنتظر التعديل بدلا من رميها كما باتت ورش اصلاح الاحذية قبلة للباحثين عن توفير النفقات في ظل الضغوط الاقتصادية المتزايدة. وتكشف هذه المشاهد عن تغير عميق في عادات الانفاق لدى العائلات التي باتت تعطي الاولوية لترميم ما تملك بدلا من استنزاف ميزانيتها في شراء سلع باهظة الثمن.



ثقافة الترميم بديلا عن الاستهلاك الجديد



واضاف اصحاب محلات الخياطة ان الاقبال لم يعد مقتصرا على المناسبات بل اصبح روتينا يوميا لاصلاح الملابس المتهالكة او تعديل مقاساتها. واكد عدد من الحرفيين ان الزبائن يفضلون دفع تكاليف بسيطة لاعادة احياء ملابسهم القديمة بدلا من مواجهة الاسعار المرتفعة للملابس الجاهزة في الاسواق. وبينوا ان هذا السلوك يعكس حالة من التكيف الذكي مع تراجع القدرة الشرائية التي جعلت من الخياط والاسكافي شركاء اساسيين في ميزانية الاسرة التونسية.



سوق المستعمل وجهة للجميع



وكشفت الجولات الميدانية ان محلات الملابس المستعملة المعروفة محليا بـ الفريب لم تعد خيارا للفقراء فقط بل اصبحت وجهة رئيسية لشرائح واسعة من المجتمع. واوضحت العديد من العائلات ان جودة الملابس المستعملة في بعض الاحيان تتفوق على نظيرتها الجديدة التي اصبحت لا تتناسب مع اسعارها المبالغ فيها. واكد المتسوقون ان التوجه نحو هذه الاسواق اصبح سلوكا دائما وليس مجرد حالة استثنائية لمواجهة غلاء المعيشة.



مؤشرات اقتصادية وتطلعات مستقبلية



وبين خبراء علم الاجتماع ان هذه الظاهرة تعبر عن إعادة هيكلة الاولويات لدى المواطن التونسي في ظل ضغوط التضخم. واشار مختصون في ارشاد المستهلك الى ان ارتفاع تكاليف العيش دفع الناس نحو البحث عن الاستدامة من خلال اعادة استخدام المنتجات. وشدد المراقبون على ان هذه التحولات الاقتصادية تعد استجابة طبيعية للواقع المعيشي الذي يتطلب دخلا شهريا مرتفعا لتامين الاحتياجات الاساسية وهو ما يفرض على الاسر ابتكار حلول بديلة للبقاء.