ساد نوع من الهدوء الحذر مدينة الزاوية غرب ليبيا عقب سلسلة من الاجتماعات المغلقة التي جمعت مسؤولين في حكومة الوحدة الوطنية مع قيادات بارزة من التشكيلات المسلحة المسيطرة على المنطقة. واظهرت هذه التحركات ان استقرار المدن الغربية بات مرهونا بشكل كامل بتوافقات قادة الميليشيات وموازين قوى النفوذ التي تحكم تحركاتهم الميدانية بعيدا عن سلطة الدولة المركزية. وكشفت الاحداث الاخيرة ان التهدئة المعلنة ليست سوى استراحة محارب في ظل استمرار التنافس على توسيع مناطق السيطرة.

واكدت مصادر محلية ان الاجتماع الذي ضم ابراهيم الدبيبة ومحمد بحرون الشهير بـ الفأر جاء لامتصاص حالة الغضب الشعبي بعد المواجهات الدامية التي طالت مصفاة النفط في الزاوية. وبينت هذه اللقاءات ان الحكومة تتبع سياسة احتواء القيادات المسلحة بدلا من مواجهتها لضمان عدم انفجار الاوضاع الامنية في العاصمة ومحيطها. واضافت التقارير ان غياب المحاسبة القانونية للمتورطين في الاقتتال يجعل من هذه التهدئة مجرد اجراء مؤقت قابل للانهيار في أي لحظة.

واوضح مراقبون ان استخدام الطائرات المسيرة في العمليات القتالية الاخيرة يمثل تحولا خطيرا في نوعية التسليح الذي تمتلكه هذه التشكيلات. واشاروا الى ان هذه الميليشيات لم تعد مجرد جماعات قتالية تابعة للوزارات بل تحولت الى كيانات تمتلك قدرات عسكرية ثقيلة تهدد المنشآت الحيوية والنفطية. وشددوا على ان مصفاة الزاوية اصبحت هدفا مستباحا في صراعات النفوذ التي لا تراعي المصالح الاقتصادية للبلاد.

تغول السلاح وتحديات الدولة

وكشفت التحركات الاخيرة عن عقد لقاءات موسعة ضمت قيادات امنية بارزة في مناطق ورشفانة لبحث سبل التنسيق الامني المشترك. واكد المشاركون في تلك الاجتماعات ضرورة حفظ الامن في المنطقة الغربية الا ان الواقع يثبت ان هذه التنسيقات تخدم بقاء تلك التشكيلات كشريك اساسي في القرار السياسي والامني. واضاف مسؤولون سابقون ان الميليشيات اصبحت اليوم جزءا لا يتجزأ من السلطة وتستمد قوتها من قربها من مراكز القرار في طرابلس.

وذكرت تقارير وزارة النفط ان الاضرار التي لحقت بمصفاة الزاوية نتيجة القصف بالطائرات المسيرة بلغت ملايين اللترات من الوقود مما يضعف الاقتصاد المحلي. واظهرت هذه الحادثة ان التنافس بين الكتائب المسلحة يتجاوز الحدود الامنية ليصل الى تعطيل الموارد الحيوية. وبينت المعطيات ان التشكيلات المسلحة تستغل حالة الفراغ المؤسسي لفرض شروطها على الحكومة.

واكدت مصادر مقربة ان رئيس الحكومة سبق ان وعد بتفكيك الميليشيات وانهاء عصر سيطرتها على الاجهزة الامنية الا ان الواقع يفرض عليه التعامل معها كواقع مفروض. واضافت ان استراتيجية الحكومة الحالية تعتمد على الموازنة الدقيقة بين ارضاء قادة الكتائب وتجنب الصدام المباشر معهم. واوضحت ان بقاء هذه القيادات في المشهد يعكس تعقيدات الازمة الليبية التي تمنع قيام دولة القانون.

مستقبل غامض للوضع الامني

وبينت الاحداث الاخيرة في الزاوية ان ملفات الاغتيالات والتصفيات لا تزال تشكل فتيل انفجار دائم بين الاطراف المتصارعة. واكد خبراء امنيون ان استمرار هذه التشكيلات في امتلاك اسلحة نوعية يعني ان اي اتفاق سياسي سيظل هشا. واضافوا ان غياب الرؤية الوطنية الموحدة لدمج المسلحين في المؤسسات الرسمية يفاقم من حدة التوترات الدورية.

وكشفت التطورات الميدانية ان التشكيلات المسلحة في غرب ليبيا تعيد ترتيب اوراقها باستمرار لتضمن بقاءها كقوة لا يمكن تجاوزها في اي تسوية قادمة. واكدت متابعات ميدانية ان الصمت الحكومي تجاه ما يجري يفسر على انه عجز عن فرض هيبة الدولة في مناطق نفوذ المسلحين. واضافت ان المواطن الليبي هو من يدفع ثمن هذا الصراع المستمر على السلطة والموارد.

واشار محللون الى ان تكرار سيناريو التهدئة بعد كل جولة قتال اصبح نهجا معروفا لا يحل جذور الازمة الامنية في غرب البلاد. وبينوا ان الحل يتطلب ارادة سياسية حقيقية قادرة على اتخاذ قرارات حاسمة بعيدا عن لغة الصفقات والمصالح الضيقة. وشددوا على ان استقرار ليبيا يظل معلقا حتى يتم تحييد السلاح غير الشرعي وحصره في يد المؤسسات العسكرية والشرطية الرسمية.