تشهد جمهورية الكونغو الديمقراطية حالة من الاحتقان السياسي المتصاعد في ظل تحركات مكثفة لقوى المعارضة التي تسعى لعرقلة مساعي تعديل الدستور. وتهدف هذه التعديلات المثيرة للجدل إلى فتح الباب أمام الرئيس فيليكس تشيسكيدي للترشح لولاية رئاسية ثالثة في خطوة تثير مخاوف واسعة من تقويض التداول السلمي للسلطة. وتأتي هذه التطورات في وقت تعاني فيه البلاد من تحديات أمنية معقدة وأزمات صحية متلاحقة تزيد من حدة التوتر في الشارع الكونغولي.

واختار الرئيس تشيسكيدي تبني استراتيجية المناورة السياسية عبر توجيه البرلمان لإعادة المداولة حول القانون المقترح بدلا من المضي قدما فيه بشكل مباشر. ويرى مراقبون أن هذه الخطوة لا تعني تراجعا حقيقيا عن الهدف المنشود بل هي محاولة ذكية لامتصاص غضب الجماهير وتفويت الفرصة على المعارضة لتصعيد احتجاجاتها في الشارع. ويسعى النظام من خلال هذه التكتيكات إلى كسب المزيد من الوقت وإعادة ترتيب أوراقه قبل الانتقال إلى مراحل الحسم التشريعي.

واكدت المعارضة الكونغولية رفضها القاطع لهذه التحركات مشددة على ضرورة الالتزام بالمواد الدستورية التي تحصر الرئاسة في فترتين فقط. واعتبر زعماء ائتلاف المعارضة أن أي محاولة للالتفاف على النصوص القانونية القائمة تعد خروجا عن المسار الديمقراطي وتهديدا لاستقرار البلاد. ودعت القوى المعارضة إلى تنظيم مظاهرات واسعة للضغط على السلطة وإجبارها على القبول بحوار وطني شامل يضع حدا لهذه الأزمة.

سيناريوهات الصراع السياسي في الكونغو

وبين المحللون أن إعادة المداولة في البرلمان تمنح الرئاسة هامشا زمنيا للمناورة ومراقبة ردود فعل الشارع والكتل السياسية المعارضة. وأوضح الخبراء أن هذه الخطوة قد تستخدم كبادرة حسن نية ظاهرية بينما يتم في الكواليس العمل على تحصين النص القانوني من الثغرات التي أشارت إليها المحكمة الدستورية سابقا. وتعد هذه المرحلة حاسمة في تحديد موازين القوى بين الرئاسة التي تسيطر على الأغلبية البرلمانية وبين المعارضة التي تراهن على الشارع.

واضاف المتابعون للملف الكونغولي أن المشهد يتجه نحو عدة سيناريوهات محتملة تبدأ بتصعيد الاحتجاجات الشعبية وصولا إلى المواجهات المؤسساتية داخل أروقة المحاكم والبرلمان. ويظل خيار الحوار الوطني هو المخرج الوحيد لتفادي الانزلاق نحو المجهول إذا ما قدمت السلطة ضمانات ملموسة حول مستقبل الانتخابات. ويبقى الترقب سيد الموقف في انتظار ما ستسفر عنه دورة سبتمبر البرلمانية التي ستحدد ملامح المرحلة القادمة.

واشار المراقبون إلى أن إصرار الرئيس على المضي قدما في تعديل الدستور يعكس رغبة عميقة في إعادة تشكيل قواعد اللعبة السياسية بما يضمن بقاءه في السلطة. وشدد الخبراء على أن نجاح المعارضة في حشد الجماهير قد يغير المعادلات القائمة ويجبر السلطة على تقديم تنازلات حقيقية. وتظل المعادلة الصعبة في الكونغو الديمقراطية هي التوفيق بين طموحات البقاء في الحكم وبين استحقاقات الاستقرار السياسي والاجتماعي.