د. حازم قشوع

ليست زيارة الملك عبدالله الثاني إلى الصين مجرد زيارة دولة في سياق العلاقات الثنائية، ولا هي محطة دبلوماسية عابرة في جدول العلاقات الدولية؛ فالصين اليوم لم تعد تلك الدولة التي تقف على هامش النظام العالمي، بل أصبحت أحد مراكز القوة التي تعيد تشكيل الاقتصاد والسياسة والتكنولوجيا، وتدفع باتجاه عالم متعدد الأقطاب.

ومن هنا تأتي دلالة الزيارة ورمزيتها؛ فالملك عندما يذهب إلى بكين إنما يذهب إلى دولة تمثل أحد أهم وجوه التحول في النظام الدولي، وإلى عاصمة أصبحت عنوانًا لصعود نموذج مختلف في إدارة الدولة والاقتصاد والتنمية والتكنولوجيا.
لقد بدأت الصين الحديثة من حرب أهلية انتهت بانتصار الشيوعيين بقيادة ماو تسي تونغ، وخروج الحزب القومي الصيني «الكومينتانغ» إلى فورموزا، تايوان الحالية، في أعقاب الحرب العالمية الثانية. وفي الوقت الذي انكفأت فيه اليابان بعد هزيمتها، بدأت الصين ترسم مسارًا طويلًا نحو استعادة موقعها كقوة مركزية في النظام الدولي.

وكانت عضوية الصين الدائمة في مجلس الأمن، إلى جانب الولايات المتحدة وروسيا وفرنسا وبريطانيا، تعبيرًا عن موقعها السياسي في منظومة المركز الدولية. غير أن بكين لم تكتفِ بالموقع السياسي، بل عملت على بناء مركز اقتصادي وتكنولوجي متدرج، حتى أصبحت واحدة من أكبر القوى الصناعية والتجارية والتكنولوجية في العالم.

وقد صنعت الصين تجربتها الخاصة من خلال الجمع بين نظام سياسي مركزي ومنظومة اقتصادية تستفيد من آليات السوق والانفتاح والاستثمار والمنافسة. وهو نموذج يمكن وصفه بـ «الشيوعية الليبرالية»؛ دولة قوية في إدارة الاتجاه العام، وسوق أكثر انفتاحًا في إدارة النشاط الاقتصادي، واستثمار واسع في المعرفة والتكنولوجيا والتصنيع.

وهنا تكمن إحدى أهم دلالات التجربة الصينية؛ فقد انتقلت الصين من كونها مصنع العالم إلى السعي لتصبح أحد مختبرات العالم في الذكاء الاصطناعي والرقائق الإلكترونية والاتصالات والطاقة والسيارات الكهربائية والفضاء والهندسة المعرفية وهي بذلك لا تنافس على الأسواق فقط، بل تنافس على امتلاك المعرفة التي ستحدد شكل الاقتصاد العالمي القادم.

ولذلك فإن زيارة الملك إلى بكين تحمل بعدًا اقتصاديًا وتنمويًا واضحًا، لكنها في الوقت ذاته تحمل دلالة سياسية أوسع. فالأردن، بحكم موقعه الجغرافي ودوره السياسي وعلاقاته الدولية، ينظر إلى الصين باعتبارها شريكًا يمكن أن يسهم في بناء مسارات جديدة للتنمية والاستثمار والتكنولوجيا، في الوقت الذي تبحث فيه المنطقة عن مخارج من أزماتها المتراكمة.

والأهم أن الأردن لا يتعامل مع التحول الدولي بمنطق الانتقال من محور إلى محور، وإنما بمنطق توسيع الخيارات وبناء الشراكات. وهذه نقطة مهمة في قراءة السياسة الأردنية؛ فالتوازن لا يعني الحياد، كما أن الانفتاح على الصين لا يعني الابتعاد عن الغرب، بل يعني توسيع مساحة الحركة الوطنية في عالم تتعدد فيه مراكز القوة ومن هنا تأتي رمزية الملك في الصين؛ فالملك يمثل دولة عربية وهاشمية تقع في قلب منطقة شديدة الحساسية، بينما تمثل الصين قوة دولية صاعدة تسعى إلى بناء نظام عالمي أكثر تعددية. وبين الطرفين تبرز قضية ثالثة تتجاوز العلاقات الثنائية، هي إعادة تعريف موقع المنطقة العربية في النظام الدولي الجديد.

فالصين تدفع باتجاه التعددية القطبية، بينما تحتاج المنطقة العربية إلى نظام دولي أكثر توازنًا، يسمح للدول المتوسطة والصغيرة بتوسيع خياراتها السياسية والاقتصادية، وعدم الارتهان لمركز دولي واحد...وهنا يصبح الأردن قادرًا على أداء دور يتجاوز حجمه الجغرافي؛ فالموقع الأردني، والعلاقة التاريخية مع القضية الفلسطينية، والوصاية الهاشمية على المقدسات في القدس، وعلاقات الأردن المتوازنة مع القوى الدولية، كلها تمنحه قدرة على التواصل مع مراكز متعددة في لحظة تتغير فيها قواعد النظام العالمي.

كما أن فلسطين تبقى حاضرة في هذه الزيارة، ليس باعتبارها ملفًا إقليميًا فحسب، وإنما باعتبارها قضية ترتبط بالأمن والاستقرار ومستقبل المنطقة. والصين، بما تملكه من موقع دولي وعضوية دائمة في مجلس الأمن وعلاقات واسعة مع دول العالم، تستطيع أن تكون جزءًا من أي مسار دولي يسعى إلى إعادة الاعتبار لحل الدولتين وإقامة الدولة الفلسطينية.
لذلك فإن «الملك في الصين» ليست صورة بروتوكولية بين قائد عربي ورئيس دولة كبرى؛ إنها صورة تحمل دلالة سياسية عن عالم يتغير، ورمزية عن الأردن الذي يحاول أن يبني لنفسه مساحة حركة داخل هذا التحول.

فإذا كان القرن العشرون قد قام على ثنائية كبرى بين الشرق والغرب، فإن القرن الحادي والعشرين يتجه إلى عالم تتعدد 
فيه مراكز القوة، وتصبح المعرفة والتكنولوجيا وسلاسل 
الإمداد والطاقة والاقتصاد أدوات أساسية في صناعة النفوذ.
وفي هذا العالم، لا تكون السياسة الخارجية مجرد إدارة للعلاقات، وإنما تصبح هندسة للمصالح، واختيارًا للمواقع، وبناءً للشراكات التي تحفظ للدولة قدرتها على الحركة.

ومن هنا يمكن قراءة زيارة الملك إلى الصين باعتبارها جزءًا
من هذه الهندسة هندسة موقع الأردن في عالم جديد، وهندسة علاقة عربية مع قوة دولية صاعدة، وهندسة مستقبل يقوم على الشراكة لا على الاصطفاف...إنها زيارة تحمل الدلالة السياسية والرمزية التاريخية، لكنها في جوهرها تقول إن الأردن، وهو يقف في منطقة تتغير خرائطها السياسية والاقتصادية، يريد أن يكون حاضرًا في صناعة المرحلة القادمة، لا مجرد متلقٍ لنتائجها...فالملك في الصين ليس فقط للتجسير الربط بين بكين وعمّان، بل لبيان الجملة السياسية
بين عالمين يتغيران، وبين مرحلة تنتهي وأخرى تتشكل ضمن ابعاد تتغير ؟.