في قلب خيمة متواضعة بمدينة دير البلح وسط قطاع غزة، يواصل فريق من المزارعين والمهتمين مهمة وطنية بالغة الاهمية، تتمثل في حماية وتوثيق البذور البلدية التي تعد الركيزة الاساسية لاستعادة القطاع الزراعي عافيته بعد ان طالته نيران الحرب والدمار. وتصطف داخل هذه الخيمة اوعية بلاستيكية بسيطة تحوي كنوزا نباتية تمثل ارثا زراعيا فلسطينيا اصيلا، حيث يسعى القائمون على بنك بذور القرارة الى اعادة بناء مخزونهم الحيوي الذي تعرض للتلف او الفقدان نتيجة الظروف القاسية التي فرضها الصراع. وتتميز هذه الاصناف البلدية بقدرتها الفائقة على التكيف مع البيئة المحلية ومقاومة الظروف المناخية، فضلا عن كونها بذور غير هجينة تتيح للمزارعين اعادة استخدامها في المواسم المتعاقبة دون الحاجة لشراء بذور جديدة من الاسواق التجارية.
واكد سالم مهنا، مدير المشروع، ان الاعتماد على هذه البذور بات استراتيجية بقاء اساسية في ظل انقطاع الامدادات الزراعية، مبينا ان الاصناف البلدية توفر انتاجية ثابتة وموثوقة تتراوح بين ثمانين وتسعين بالمئة من المحصول السنوي، مما يجعلها خيارا لا بديل عنه للمزارع الفلسطيني في الوقت الراهن. ويحتفظ البنك حاليا بتشكيلة متنوعة تشمل بذور القمح والشعير والخضروات الورقية كالسلق والسبانخ والبقدونس، بالاضافة الى اصناف اساسية مثل الكوسا والبامية، رغم التحديات اللوجستية الكبيرة التي تواجه عملية التخزين في ظل ظروف النزوح المستمر.
التحديات الميدانية واعادة احياء المخزون الزراعي
وكشفت هنادي مهنا، التي تشارك في ادارة المشروع، عن حجم المعاناة التي واجهها الفريق بعد تدمير مقر البنك الرئيسي وفقدان كميات ضخمة من الاصناف النباتية، موضحة ان عملية البدء من جديد في خيمة صغيرة كانت محفوفة بالمخاطر والصعوبات التقنية. واضافت ان الفريق يتبع حاليا طرقا بدائية لكنها فعالة في حفظ البذور باستخدام اكياس الخيش والبراميل البلاستيكية، مع الحرص الشديد على تصنيفها وحمايتها من الافات الزراعية باستخدام اغلفة واقية لضمان ديمومتها. وشدد العاملون على ان هذه الجهود ليست مجرد عمل زراعي، بل هي محاولة للحفاظ على الهوية الزراعية للقطاع التي تضررت بشكل واسع جراء استمرار العمليات العسكرية وتقليص مساحات الاراضي الصالحة للزراعة.
البذور البلدية كصمام امان غذائي في غزة
وبين تقرير حديث لمنظمة الفاو ان نسبة ضئيلة جدا من الاراضي الزراعية في غزة لا تزال صالحة للزراعة، مما يضع المشاريع المحلية امام مسؤولية مضاعفة لتوفير الحد الادنى من الاحتياجات الغذائية للسكان. واوضح اسامة المخللاتي، المسؤول الاقتصادي، ان غزة كانت في السابق مركزا متميزا للانتاج الزراعي والاكتفاء الذاتي، لكن تداعيات الحرب قلصت هذه القدرات بشكل حاد جدا، مما جعل البنك يعمل وفق نظام الاعارة المتبادلة بين المزارعين الموثوقين. واشار المخللاتي الى ان هذا المشروع يمثل بارقة امل حقيقية وسط الظلام، حيث يساهم في سد الفجوة الغذائية والحفاظ على التنوع الحيوي الذي يضمن استمرارية الحياة الزراعية في القطاع رغم كل الظروف القاسية التي تحيط بالمزارعين.
