كشفت مذكرات نائب الرئيس السوري السابق عبد الحليم خدام تفاصيل مثيرة حول اللقاء الذي جمع بشار الاسد برئيس الوزراء اللبناني الراحل رفيق الحريري في دمشق. واظهرت المذكرات ان هذا الاجتماع كان الاكثر توترا وقسوة في تاريخ العلاقة بين الطرفين قبل وقوع عملية الاغتيال الشهيرة. واكد خدام ان اللقاء شهد تهديدات مباشرة وعلنية من الاسد للحريري بشان الملف اللبناني والانتخابات الرئاسية.

واضاف خدام في مذكراته ان بشار الاسد استدعى الحريري في ساعة مبكرة ووجه له كلاما قاسيا بوجود قيادات امنية بارزة. واوضح ان قسوة العبارات التي استخدمها الاسد تسببت في حالة صحية صعبة للحريري الذي عانى من نزيف في انفه نتيجة الضغط النفسي الشديد. وبينت الشهادات ان الاسد هدد الحريري بكسر عظمه في حال خالف توجهاته بخصوص التمديد للرئيس اميل لحود.

واشار خدام الى انه حاول التدخل لتهدئة الموقف بعد ان سمع الرواية من الاسد مباشرة في نفس اليوم. وشدد على انه واجه الرئيس السوري بخطورة هذا الاسلوب في التعامل مع شخصية تمثل ثقلا سياسيا وطائفيا كبيرا في لبنان. واكد ان الاسد تراجع قليلا بعد هذا العتاب وطلب من نائبه دعوة الحريري مجددا لمحاولة احتواء الموقف.

جذور الازمة الرئاسية في لبنان

وبينت المذكرات ان جذور الخلاف بدات مع فرض دمشق لترشيح اميل لحود لرئاسة الجمهورية عام 1998. واكد خدام ان هذا القرار كان خيارا شخصيا لبشار الاسد الذي نجح في اقناع والده حافظ الاسد بتبني هذا الخيار رغم الاعتراضات اللبنانية الواسعة. واوضح ان هذا الملف انتقل بالكامل الى يد الاجهزة الامنية السورية بعد ان تزايدت الضغوط على السياسيين اللبنانيين.

واضاف خدام ان الحريري شعر بجرح عميق بعد تلك المقابلة في دمشق ورفض في البداية العودة الى سوريا. وتابع ان الوساطات دفعت الحريري للاجتماع مجددا بالاسد في بلودان حيث كان الانطباع السائد هو ان العلاقة وصلت الى طريق مسدود. وذكر ان الاسد كان يتارجح في قراراته بشان التمديد للحود مما زاد من حالة التوتر السياسي في المنطقة.

ووضح خدام ان الحريري حاول استطلاع الراي حول المخاطر التي قد تهدد حياته في حال عودته الى لبنان. واشار الى ان الحريري استشار مقربين منه مثل وليد جنبلاط الذين نصحوه بالموافقة على التمديد ثم الاستقالة لتجنب الصدام المباشر. واكد ان النظام السوري كان يعلم جيدا ان الحريري لا يزال ورقة ضرورية لتمرير تعديلات دستورية معينة.

فشل الوساطات الدولية والقرار 1559

وكشفت المذكرات عن محاولات اللحظة الاخيرة التي قادتها وساطات دولية لتجنب صدور قرار دولي بشان لبنان. واكد خدام ان وزير الخارجية السوري فاروق الشرع رفض الانصياع للضغوط الدولية واصر على ان الملف اللبناني شان داخلي. وبين ان هذا الموقف ادى في النهاية الى صدور القرار 1559 الذي وضع النظام السوري تحت رقابة مجلس الامن.

واضاف خدام ان شهادته هذه تعتبر مفتاحا لفهم مرحلة الانهيار الكامل بين دمشق وشرائح واسعة من المجتمع اللبناني. وشدد على ان التفاصيل الواردة في مذكراته تعكس حقيقة التعامل الامني والسياسي الذي ساد في تلك الحقبة الحرجة. واوضح ان هذه الرواية تظل وثيقة تاريخية هامة لتفسير الاحداث التي تلت تلك الفترة من التاريخ السياسي المعاصر.