بدات طهران في الاونة الاخيرة تبني نهجا اكثر تشددا يتجاوز مجرد الدفاع عن النفس، حيث كشفت التطورات الميدانية والسياسية عن رغبة ايرانية واضحة في رفع سقف المواجهة مع واشنطن. وبين محللون ان هذا التحول الاستراتيجي ياتي في سياق محاولة لكسر الجمود القائم عبر الضغط العسكري والاقتصادي، بهدف اجبار الادارة الامريكية على تقديم تنازلات وقبول شروط جديدة للعودة الى طاولة المفاوضات. واظهرت التقديرات ان القيادة في ايران لم تعد تراهن على انتظار تسوية سلمية، بل باتت تميل الى توظيف مضيق هرمز كورقة ضغط رئيسية لتعطيل الملاحة الدولية وفرض واقع ميداني جديد.

واكدت مصادر مطلعة ان المسؤولين العسكريين في طهران انتقلوا من خطاب الرد على الهجمات الى تبني عقيدة هجومية استباقية. واضافت ان هذا التحول تزامن مع سلسلة من التغييرات الجذرية في مفاصل الدولة الامنية والعسكرية، حيث قام المرشد الايراني مجتبى خامنئي بتعيين شخصيات مخضرمة من الحرس الثوري في مناصب قيادية حساسة. واوضحت ان هذه الخطوات تهدف الى تعزيز الجبهة الداخلية وضمان ولاء المؤسسات الامنية في ظل التحديات المتزايدة التي تفرضها الحرب المستمرة منذ اشهر.

وشملت التعيينات الجديدة اسماء بارزة مثل محسن رضائي وحسين طائب واحمد وحيدي، وهم من رموز الحرس القديم المعروفين بمواقفهم المتصلبة تجاه الغرب. وبين مراقبون ان هذه التشكيلة القيادية تعكس قناعة النظام الايراني بانه في حالة حرب مفتوحة ستمتد لسنوات. واشاروا الى ان هذه الوجوه الامنية تمتلك سجلا طويلا في ادارة الازمات وقمع الاحتجاجات، مما يعزز فرضية ان طهران تستعد لمرحلة اكثر قتامة على الصعيد الداخلي والخارجي على حد سواء.

تداعيات اعادة تشكيل القيادة الامنية

وكشفت التحليلات ان تعيين حسين طائب على راس قوات الباسيج ياتي في توقيت دقيق، حيث تتزايد المخاوف من انهيار الوضع الاقتصادي وتجدد الاضطرابات الشعبية. واضاف مراقبون ان النظام يسعى من خلال هذه القيادات الى ضبط الشارع بقبضة حديدية، مع توجيه طاقة النظام نحو الخارج عبر تكثيف العمليات الاستخباراتية والسيبرانية. واكد خبراء ان هذا النهج التصادمي قد يؤدي الى نتائج عكسية، خاصة مع استمرار واشنطن في فرض عقوبات صارمة على الموانئ وصادرات النفط الايرانية.

واوضح مدير السياسات في مركز متحدون ضد ايران النووية، جيسون برودسكي، ان طهران باتت اكثر استعدادا للمخاطرة من اي وقت مضى. واضاف ان هذه الاستراتيجية تعتمد على استنزاف الخصوم عبر حروب الوكالة في المنطقة، سواء في اليمن او في مضيق باب المندب. وبين ان الهدف من وراء كل ذلك هو خلق حالة من الفوضى التي تجبر الاطراف الدولية على التراجع عن مطالبها المتعلقة بالبرنامج النووي الايراني او الحد من نفوذ طهران الاقليمي.

واشار خبراء العلاقات الدولية الى ان حسابات واشنطن ايضا قد تغيرت، حيث اصبحت اولوية الادارة الامريكية الحفاظ على استقرار اسعار الطاقة العالمية. واضافوا ان هذا التوجه الامريكي منح طهران مساحة للمناورة، حيث ترى طهران ان واشنطن قد تكتفي بابقاء الوضع الراهن دون الدخول في مواجهة عسكرية شاملة. ولكن، حذر محللون من ان استمرار طهران في تهديد الملاحة في مضيق هرمز قد يدفع الامور نحو نقطة اللاعودة، خاصة مع وجود تعهدات امريكية صارمة بحماية الممرات المائية الحيوية.

مخاطر التصعيد العسكري المفتوح

وبين الخبير احمد زيد آبادي ان المراهنة على الهجوم قد تكون مقامرة كارثية للنظام الايراني. واضاف ان اي خطأ في الحسابات قد يستدعي ردا امريكيا مدمرا لا يقتصر على المواقع العسكرية، بل قد يمتد ليشمل البنية التحتية الاقتصادية الحيوية. واكد ان طهران تحاول الموازنة بين الحاجة الى استعراض القوة وبين تجنب الحرب الشاملة التي قد تنهي وجود النظام بالكامل.

وكشفت تصريحات المسؤولين الايرانيين مؤخرا عن نبرة استعلائية، حيث اعتبر كبير المفاوضين محمد باقر قاليباف ان ايران حققت انتصارا عسكريا وسياسيا رغم الخسائر الكبيرة التي منيت بها. واضاف ان هذا الخطاب يهدف الى رفع الروح المعنوية لقواعد النظام الشعبية في ظل ظروف معيشية صعبة. واكد ان الرهان على الشخصيات المتشددة داخل الحرس الثوري يعكس رغبة في العودة الى سياسات القوة الصلبة التي كانت سائدة قبل اندلاع الحرب.

واظهرت التطورات الميدانية ان المنطقة مقبلة على مرحلة من عدم الاستقرار، خاصة مع دخول اطراف اقليمية جديدة في دائرة الصراع. واضاف مراقبون ان التنسيق بين القوات النظامية والحرس الثوري اصبح اكثر تكاملا، مما يشير الى خطط لشن هجمات منسقة تستهدف مصالح غربية. وشددوا على ان العالم يراقب بحذر مدى قدرة النظام الايراني على الصمود امام الضغوط الاقتصادية، وهل ستكون هذه المغامرة الهجومية هي الحل الاخير ام بداية النهاية للنظام الحالي.