حذّر مقال نشرته منصة «كومن دريمز» الأمريكية التقدمية، الجمعة، من أن ما يحدث في بلدة قصرة جنوب نابلس قد يقدّم نموذجاً لما ينتظر الضفة الغربية المحتلة، في ظل تصاعد عنف المستوطنين والإجراءات الإسرائيلية الرامية إلى فرض مزيد من السيطرة على الأراضي الفلسطينية.
وكتب الصحافي والكاتب رمزي بارود أن من يريد فهم «المستقبل القاتم» الذي ينتظر الضفة الغربية، عليه متابعة الأحداث الجارية في قصرة، معتبراً أن «قصة مستقبل الضفة الغربية تبدأ هنا».
بارود: ما ظهر في قصرة لم يكن مجرد «عنف مستوطنين»، وإنما «تقسيم للعمل»، بحيث يصنع المستوطنون الأزمة، ويفرض الجيش القيود، وتُقيد حركة الفلسطينيين، بينما يتعرّض الضحايا أنفسهم لضغوط للرحيل
وأشار بارود إلى أن التعامل مع الأحداث في البلدة باعتبارها مجرد حلقة أخرى من «عنف المستوطنين» يقلل من خطورتها، لأن قصرة، بحسب رأيه، تكشف عن ملامح ما وصفه بـ«خطة دالت» جديدة، في إشارة إلى الخطة العسكرية التي وضعتها القوات الصهيونية خلال حرب 1948 للسيطرة على مساحات واسعة من فلسطين، قرية تلو الأخرى.
وأوضح أن النكبة لم تكن حدثاً مفاجئاً وقع عام 1948، بل جاءت نتيجة سنوات من التخطيط والخطط العسكرية التدريجية التي تطورت إلى استراتيجية للسيطرة على البلدات والقرى الفلسطينية، وتدمير المجتمعات وتهجير سكانها.
ويرى الكاتب أن أهمية هذه التجربة التاريخية تتجاوز بعدها الرمزي، إذ كانت النكبة عملية نُفذت على مراحل، وهو ما ينطبق، بحسبه، على عملية ضمّ الضفة الغربية.
وأشار إلى أن مسؤولين إسرائيليين تحدثوا علناً عن «نكبة» جديدة باعتبارها نتيجة مقصودة، مستشهداً بتصريحات وزير الدفاع الإسرائيلي الأسبق آفي ديختر في نوفمبر/ تشرين الثاني 2023، حين قال إن إسرائيل «تطلق الآن نكبة غزة».
وقال بارود إن ما وصفها بـ«النكبة الجديدة» تحمل كثيراً من سمات النكبة الأولى، من بينها العنف المنظم والمجازر والتطهير العرقي والتهجير القسري ومصادرة الأراضي، معتبراً أن الحرب على غزة تمثل ذروة لهذا العنف.
وأضاف أن تركيز العالم على غزة منذ السابع من أكتوبر/ تشرين الأول 2023 أتاح لإسرائيل، بحسبه، مجالاً لتصعيد العنف في الضفة الغربية إلى مستويات لم تشهدها منذ عقود.
ووفق الأرقام التي أوردها المقال، استشهد أكثر من 1100 فلسطيني في الضفة الغربية على أيدي القوات الإسرائيلية والمستوطنين منذ السابع من أكتوبر/ تشرين الأول 2023، بينهم أكثر من 240 طفلاً، فيما أصيب آلاف آخرون واعتُقل عشرات الآلاف. كما لا يزال أكثر من 33 ألف فلسطيني مهجرين من مخيمات جنين وطولكرم ونور شمس وحدها.
حصار منازل فلسطينية
وتطرق المقال إلى أحداث قصرة، موضحاً أنه منذ التاسع من أغسطس/ آب، حاصر مستوطنون إسرائيليون مسلحون ثلاثة منازل فلسطينية في منطقة رأس العين على أطراف البلدة.
وأضاف أن المستوطنين أغلقوا الطرق المؤدية إلى المنازل، ونصبوا خياماً أمامها، وقطعوا إمدادات المياه والكهرباء، ما أدى إلى محاصرة عائلات، تضمّ أطفالا، داخل منازلها.
وبعد ذلك، أعلن الجيش الإسرائيلي المنطقة المحيطة منطقة عسكرية مغلقة، وفرض قيوداً على وصول الفلسطينيين والنشطاء والصحافيين إليها.
وقال بارود إن ما ظهر في قصرة لم يكن مجرد «عنف مستوطنين»، وإنما «تقسيم للعمل»، بحيث يصنع المستوطنون الأزمة، ويفرض الجيش القيود، وتُقيد حركة الفلسطينيين، بينما يتعرّض الضحايا أنفسهم لضغوط للرحيل.
وأشار إلى أن الحصار استمر لأكثر من أسبوعين، معتبراً أن قصرة ليست حادثة معزولة عن الاستراتيجية الإسرائيلية الأوسع.
وأوضح أن إسرائيل صادرت بالفعل أراضي من قصرة لصالح مستوطنة «مجداليم»، فيما ارتبطت بؤر استيطانية قريبة، بينها «إيش كودش»، منذ سنوات بهجمات ومحاولات للاستيلاء على الأراضي الزراعية الفلسطينية.
وبحسب الكاتب، فإن السيطرة على هذه المناطق تمثل جزءاً من مشروع أوسع يهدف إلى ربط الكتل الاستيطانية وتفتيت الأراضي الفلسطينية وتحويل التجمّعات الفلسطينية إلى جيوب معزولة.
الضمّ يتحوّل إلى واقع
ويرى بارود أن الحكومة الإسرائيلية كانت تتعامل، قبل سنوات قليلة، كما لو أن خطتها لضمّ مساحات واسعة من الضفة الغربية قد وُضعت جانباً، لكن منذ السابع من أكتوبر/ تشرين الأول انتقل الضمّ، بحسب تعبيره، «من الطموح إلى الهوس»، على مستوى التصريحات والممارسات.
وأشار إلى أن وزير الأمن القومي الإسرائيلي إيتمار بن غفير أشرف بعد السابع من أكتوبر/ تشرين الأول على توزيع كميات كبيرة من الأسلحة وتسليح آلاف الأعضاء من فرق الأمن المدني بالبنادق، في ظل وجود مستوطنين مسلحين أصلاً.
وفي الوقت نفسه، عمل وزير المالية الإسرائيلي بتسلئيل سموتريتش على نقل صلاحيات تتعلق بالضفة الغربية من الإدارة العسكرية إلى السلطات المدنية الإسرائيلية، وهو ما اعتبره المقال إحدى أوضح الآليات المؤسسية لترسيخ الضمّ.
بارود: بعض الحكومات تكتفي بالتحذير من تسارع الضمّ، بينما تفرض أخرى عقوبات على مستوطنين أفراد، وكأن استهداف عدد محدود من «المتطرّفين» يمكن أن يعكس مخططاً تنفذه أجهزة الدولة بأكملها
وأضاف أن وزير الدفاع الإسرائيلي يسرائيل كاتس أمر بالتحضير لنقل مسؤولية إنفاذ القانون على المستوطنين الإسرائيليين في الضفة الغربية من الجيش إلى الشرطة الإسرائيلية، معتبراً أن ذلك يمثل خطوة قانونية مهمة أخرى باتجاه الضمّ.
وقال بارود إن الصورة أصبحت أكثر وضوحاً مع اجتماع «ميليشيات المستوطنين، والتمويل الحكومي، والأسلحة، والجيش، والشرطة، والبيروقراطيات المدنية، والمحاكم، والقرارات السياسية الصادرة عن أعلى مستويات الدولة الإسرائيلية».
وبالنظر إلى هذا السياق، يرى الكاتب أن قصرة أصبحت «صورة مصغرة»، وربما ساحة اختبار للآليات التي يمكن من خلالها تنفيذ عملية ضمّ على نطاق أكبر.
وحذّر من أن بعض الحكومات تكتفي بالتحذير من تسارع الضمّ، بينما تفرض أخرى عقوبات على مستوطنين أفراد، وكأن استهداف عدد محدود من «المتطرّفين» يمكن أن يعكس مخططاً تنفذه أجهزة الدولة بأكملها.
وقال إن الفلسطينيين في الضفة الغربية يدركون حجم التحدي الذي يواجهونه، معتبراً أن مطالبة السلطة الفلسطينية، التي تحافظ على التنسيق الأمني مع إسرائيل، بوضع «استراتيجية» جديدة تبدو أمراً متأخراً وغير كافٍ.
وختم بارود مقاله بالقول إن إدراك فظائع النكبة وتداعياتها، من دير ياسين إلى الحرب على غزة، لم يعد كافياً، محذّراً من أن ثمن الصمت يدفعه الفلسطينيون بالفعل، سواء في غزة التي يعيش سكانها بين الأنقاض، أو في الضفة الغربية التي يواجه سكانها عنف المستوطنين والقوات الإسرائيلية.
وخلص إلى أن الوضع «يجب أن ينتهي الآن»، قبل أن تتحوّل قصرة إلى نموذج لما سيأتي لاحقاً، محذّراً بالقول: «اليوم قصرة، وغداً الضفة الغربية بأكملها».
