تتفاقم معاناة المواطنين في مختلف المدن الليبية جراء ازمة الوقود الخانقة التي حولت حياة الناس الى طوابير انتظار لا تنتهي امام المحطات. وفي مشهد يعبر عن حجم الاحباط الشعبي اضطر مواطن في مدينة اوباري جنوبي البلاد الى التنقل على ظهر جمل كبديل عملي عن سيارته التي توقفت عن العمل بسبب شح البنزين. هذه الصورة القاتمة لا تقتصر على الجنوب بل تمتد لتشمل العاصمة طرابلس حيث يقضي الليبيون ساعات طويلة في انتظار الحصول على حصصهم من الوقود وسط تساؤلات مشروعة حول مصير الكميات الضخمة التي تعلن شركة البريقة عن ضخها يوميا.
واوضحت البيانات الرسمية ان فاتورة استيراد المحروقات تجاوزت حاجز المليار دولار خلال شهر واحد فقط وهو رقم يثير استغراب الخبراء والمراقبين بالنظر الى عدد السكان المحدود وعدم وجود نهضة صناعية تبرر هذا الاستهلاك الضخم. وبينت التحليلات ان الفارق الكبير بين السعر المدعوم محليا والاسعار العالمية يفتح شهية شبكات التهريب التي باتت تسيطر على مسارات الوقود سواء عبر الحدود البرية او عبر البحر.
واكد خبراء الاقتصاد ان هذا النزيف المالي يهدد الاحتياطي الاجنبي للبلاد ويضغط على الميزانية العامة التي تعتمد كليا على عوائد النفط المتقلبة. واضافوا ان استمرار هذا الوضع يعني ان جزءا كبيرا من ثروة الليبيين يذهب الى جيوب جماعات مسلحة وشبكات تهريب منظمة تستغل الانقسام السياسي والامني الذي تشهده الدولة.
تغول شبكات التهريب وتحديات الرقابة
وكشفت تقارير دولية ومحلية ان حوالي اربعين في المائة من الوقود المدعوم يتم تهريبه بشكل غير قانوني مما يحرم المواطن البسيط من حقه في الحصول على الخدمة بسعرها الرسمي. واشارت المعطيات الميدانية الى ان سعر اللتر في السوق الموازية ببعض المناطق وصل الى مستويات قياسية تتجاوز مائة ضعف السعر المدعوم مما يعكس حجم الفوضى التي تضرب سوق المحروقات.
واظهرت دراسات متخصصة ان الجهات الامنية والمؤسسات العامة تستحوذ على نسب كبيرة من استهلاك الديزل وهو ما يتطلب تدقيقا شاملا في مسارات التوزيع. واكد مراقبون ان التلاعب لا يقتصر على المهربين الصغار بل يمتد الى منظومات معقدة تمتلك شاحنات معدلة هيكليا لاخفاء الكميات المهربة بعيدا عن اعين الرقابة التقليدية.
واوضح مختصون في الشأن الليبي ان الحلول المطروحة مثل التحول نحو الدعم النقدي المباشر تتطلب اولا اغلاق منافذ التهريب بشكل كامل. وشددوا على ان اي اصلاح اقتصادي دون ضبط المسارات الرقمية وتتبع رحلة الوقود من الموانئ الى المستهلك النهائي سيظل مجرد مسكنات مؤقتة لن تنهي معاناة الليبيين.
مستقبل الدعم والحلول المقترحة
وبين المحللون ان الوضع الحالي يتطلب ارادة سياسية موحدة لفرض سلطة القانون على كافة المنافذ الحدودية. واضافوا ان تغليظ العقوبات على المتورطين في عمليات التهريب اصبح ضرورة وطنية لحماية الاقتصاد من الانهيار في ظل الاعتماد الكلي على النفط كمصدر وحيد للدخل.
واكد خبراء ان البدء بمنظومة رقمية دقيقة لمراقبة توزيع الوقود سيكشف بوضوح اماكن الخلل ومسارات التسرب. واوضحوا ان المواطن الليبي ينتظر اجراءات عملية تنهي معاناته اليومية بدلا من الوعود التي تتبخر مع اول ازمة وقود تضرب البلاد.
واشار خبراء الاقتصاد في ختام رؤيتهم الى ان اصلاح مسار الدعم يجب ان يترافق مع تعويضات نقدية عادلة تحمي الطبقات الهشة من تداعيات ارتفاع تكاليف النقل والسلع الاساسية. وشددوا على ان استعادة السيطرة على هذا الملف الحيوي تعتبر اختبارا حقيقيا لقدرة مؤسسات الدولة على حماية قوت الليبيين من عبث المهربين.
