تتزايد التساؤلات حول مدى فاعلية استراتيجية البيت الابيض في فرض عزلة عالمية شاملة على ايران بعد مرور اشهر على اندلاع الصراع العسكري الذي توقعت واشنطن حسمه في اسابيع معدودة. واظهرت التطورات الميدانية والسياسية ان النظام الايراني لا يزال متماسكا رغم الضربات العسكرية المكثفة التي استهدفت بنيته التحتية وقادته العسكريين، مما دفع الادارة الاميركية الى التحول نحو سلاح الضغوط المالية كخيار بديل لمحاولة اخضاع طهران.
واكد جيمس ليندسي، الخبير في السياسة الخارجية بمجلس العلاقات الخارجية، ان الواقع على الارض يختلف تماما عن التقديرات الاولية، حيث لا تلوح في الافق اي مؤشرات لنهاية قريبة لهذا النزاع. واضاف ان العقوبات الاقتصادية الجديدة التي كشف عنها وزير الخزانة الاميركي تحت مسمى عملية المنبوذ الاقتصادي تواجه تحديات جمة، نظرا لاعتمادها على التهديد بمعاقبة الدول المتعاونة مع ايران بدلا من فرض اجراءات قسرية مباشرة.
وبين المحللون ان هذا النهج الحذر يأتي لتجنب تفجير النظام المالي العالمي، وهي المخاوف التي عبر عنها مسؤولون اميركيون بوضوح. واشار مراقبون الى ان الصين تظل اللاعب الاكثر تأثيرا في هذا الملف، كونها تستحوذ على الجزء الاكبر من صادرات النفط الايرانية، فضلا عن قدرتها على موازنة الضغوط الاميركية من خلال اوراق ضغط اقتصادية متبادلة تتعلق بالمعادن الحيوية.
تحديات الحصار وتغير الدور الاميركي في المنطقة
وكشفت التحليلات السياسية ان الادارة الاميركية تجد نفسها في مأزق حقيقي، حيث ان المضي قدما في فرض عزلة كاملة قد يؤدي الى ازمة دبلوماسية مفتوحة مع بكين واضطراب في الاقتصاد العالمي. واوضح الخبراء ان الرهان الاميركي الحالي يقوم على امل ان يؤدي الحصار البحري المستمر الى تعميق الازمات الداخلية في ايران ودفع القيادة هناك نحو طاولة المفاوضات تحت وطأة الضغط الاقتصادي.
وشدد ستيفن كوك، الباحث في شؤون الشرق الاوسط، على ان هذا الرهان يواجه عقبة رئيسية تتمثل في قدرة النظام الايراني على قمع الاحتجاجات الشعبية ومنع اي تأثير سياسي للشارع على قرارات القيادة المتشددة. واضاف ان المشهد الاقليمي يشهد تحولات جذرية، حيث بدأت ملامح نظام جديد تتشكل في المنطقة مع تراجع تدريجي للوجود العسكري الاميركي الذي كان مهيمنا لسنوات طويلة.
واكد الباحثون ان الحرب الراهنة ساهمت بشكل مباشر في تسريع عملية تقليص الدور الاميركي في الشرق الاوسط، وهو مطلب كان ينادي به العديد من الخبراء وصناع السياسات منذ وقت طويل. واختتم المحللون بالاشارة الى ان استراتيجية الضغط القصوى لم تؤد حتى الان الى الانهيار المطلوب، بل جعلت المنطقة امام واقع جيوسياسي اكثر تعقيدا يتطلب اعادة تقييم شاملة للادوار الدولية في الخليج.
