في قلب قرية البهنسا بمحافظة المنيا المصرية، يتداخل عبق التاريخ الديني ليشكل لوحة فريدة تجمع بين مسار العائلة المقدسة وبقيع الصحابة. لا تعد هذه البقعة مجرد قرية صغيرة في صعيد مصر، بل هي ذاكرة حية تتجاوز حدود الزمن لتجمع بين رحلة المسيح عليه السلام وأمه مريم، وبين أقدام أصحاب الرسول الذين استقروا في هذه الأرض بعد فتوحات إسلامية كبرى.

واكتسبت البهنسا شهرتها الواسعة بكونها واحدة من أهم محطات العائلة المقدسة في مصر، إلى جانب احتضانها لآلاف المقامات والأضرحة التي تعود لصحابة وتابعين، مما جعل الأهالي يطلقون عليها لقب البقيع الثاني نظرا لتلك القدسية التاريخية التي تملأ أرجاءها.

وتشير الروايات الموثقة إلى أن هذه القرية كانت شاهدة على معارك فاصلة في تاريخ المنطقة، حيث تحولت من حصن روماني منيع إلى أرض تحتضن رفات شهداء بدر ومن تبعهم بإحسان، لتصبح اليوم مزارا يجمع الزوار من مختلف الثقافات والديانات.

خصوصية البهنسا ومكانتها التاريخية

وبينت الدراسات التاريخية أن البهنسا لم تكن مجرد محطة عابرة، بل كانت نقطة ارتكاز استراتيجية واجهت جيوش الفتح الإسلامي بقيادة عمرو بن العاص بتكليف من الخليفة عمر بن الخطاب. وأدت المعارك التي دارت على أرضها إلى ترسيخ الوجود الإسلامي في مصر، مخلفة وراءها آثارا لصحابة من نسل كبار القادة وأقارب النبي.

وكشفت المعطيات الميدانية أن القرية تضم أضرحة لشخصيات محورية، مثل أبناء خالد بن الوليد وأبي بكر الصديق، مما منحها خصوصية جعلتها وجهة روحية يتوافد إليها الباحثون عن البركة والزوار السائحون الراغبون في رؤية شجرة مريم التي استظلت بها العذراء في رحلتها المقدسة.

وأكد الباحثون المتخصصون في التاريخ القبطي والإسلامي أن شجرة مريم والبئر المجاورة لها تعد دليلا ملموسا على صحة المسار التاريخي للعائلة المقدسة، حيث يحرص السياح الأجانب على زيارة هذا الموقع الذي يجسد جزءا أصيلا من التراث الديني العالمي.

أدلة وشواهد على أرض الشهداء

وأوضح أساتذة التاريخ الإسلامي أن الأدلة على وجود رفات الصحابة بالبهنسا تستند إلى شواهد قبور أصلية ووثائق تاريخية هامة، لعل أبرزها ما ذكره المؤرخ المقريزي في كتبه التي وثقت أماكن دفن شهداء الفتح. وتعمل وزارة الأوقاف المصرية حاليا على تطوير المنطقة لتصبح مزارا سياحيا عالميا يليق بمكانتها.

وأضاف المتخصصون أن وجود رفات أبناء عقيل بن أبي طالب وسليمان بن خالد بن الوليد، إلى جانب مقام السبع بنات اللواتي شاركن في التمريض خلال المعارك، يعزز من قيمة المكان التاريخية والروحية، حيث لا يوجد موقع يضم هذا العدد من الصحابة خارج أرض الحجاز سوى البهنسا.

وأظهرت المعاينات أن الأضرحة والمقامات التي تعود للقرون الأولى لا تزال قائمة، رغم خضوع بعضها لعمليات ترميم وتطوير دوري لضمان الحفاظ على هويتها المعمارية والتاريخية التي تجذب الآلاف سنويا.

راحة نفسية في رحاب التاريخ

وقال زوار القرية إن المكان يمنحهم شعورا بالسكينة يشبه ما يختلجه المرء في المدينة المنورة، حيث يحرص الكثيرون على الصلاة في مساجد البهنسا وزيارة مقامات الصحابة طلبا للراحة النفسية والتبرك بهذه الأرض التي اختلطت فيها دماء الشهداء بقدسية رحلة العائلة المقدسة.

وأشار مواطنون من محبي زيارة الأضرحة إلى أن البهنسا تمثل بالنسبة لهم تعويضا روحيا، حيث يجدون في الطواف حول مقامات آل بيت النبوة وصحابة الرسول ملاذا من ضغوط الحياة، مؤكدين أن زيارة هذا المكان أصبحت طقسا سنويا ثابتا في حياتهم.

وتختتم البهنسا حكايتها بأنها ليست مجرد قرية، بل هي متحف مفتوح يمزج بين التاريخ والرواية الشعبية، وتستمر في استضافة الزائرين من كل حدب وصوب ليظل ترابها حافظا لأسرار العصور الذهبية التي مرت بها مصر.