د. حازم قشوع

حين تعجز السياسة عن احتواء الأزمة الداخلية، يصبح تصديرها إلى الخارج أحد الخيارات المتاحة، لكن السؤال الذي يفرض نفسه: من يدفع فاتورة هذا التصدير؟ فهذا ما يمكن أن يفسر جانباً من المشهد الذي تعيشه المنطقة اليوم، في ظل المأزق الانتخابي الذي تواجهه الإدارة الجمهورية في الولايات المتحدة، والمأزق السياسي الأكثر عمقاً الذي تواجهه الحكومة الإسرائيلية، بالتزامن مع دخول الملف الإيراني طوراً جديداً من التصعيد.

فواشنطن تتجه إلى انتخابات التجديد النصفي في الثالث من تشرين الثاني، فيما تتجه إسرائيل إلى انتخابات الكنيست في السابع والعشرين من تشرين الأول، الأمر الذي يجعل المنطقة أمام مرحلة تتقاطع فيها الحسابات العسكرية مع الحسابات الانتخابية بصورة لافتة. وهنا تبرز "الهندسة السياسية للأزمة"، حين تصبح الأحداث الخارجية وسيلة لإعادة ترتيب الأولويات الداخلية، ويتحول الخطر الخارجي من مجرد تحدٍ أمني إلى أداة لإعادة تشكيل المزاج الانتخابي.

فبدلاً من أن يكون السؤال الانتخابي: ماذا تحقق داخلياً؟ يصبح السؤال: كيف نواجه الخطر الخارجي؟ وبدلاً من أن تكون الانتخابات مناسبة للمساءلة، تتحول إلى مناسبة لتجديد التعبئة حول الأمن والتهديد والخطر. وفي هذه الحالة يصبح التصعيد جزءاً من إدارة الأزمة السياسية، وليس مجرد نتيجة لها...وهذا ما يجعل التصعيد مع إيران شديد الحساسية في هذه المرحلة. فالمواجهة لم تعد مجرد ملف عسكري أو أمني، وإنما أصبحت جزءاً من الحسابات السياسية داخل الولايات المتحدة وإسرائيل، في الوقت الذي تتسع فيه كلفتها لتطال المنطقة بأسرها.

وفي الولايات المتحدة، أصبحت كلفة الحرب وأسعار الطاقة والانعكاسات الاقتصادية جزءاً من المزاج الانتخابي، فيما تواجه الإدارة ضغوطاً لإثبات أن الحرب حققت نتائج تتناسب مع كلفتها. أما في إسرائيل، فإن استمرار الحرب لا ينفصل عن الحسابات السياسية الداخلية، خصوصاً مع اقتراب موعد الانتخابات، بما يجعل التصعيد وسيلة لإعادة إنتاج خطاب الأمن وتأجيل الأسئلة المتعلقة بالنتائج والكلفة والمسؤولية.
لكن المشكلة أن "تصدير الأزمة" لا يعني أن كلفتها تخرج من حدود الدول التي صنعتها؛ بل تنتقل إلى دول الإقليم، وفي مقدمتها الأردن...فالأردن لا يصنع الأزمة، لكنه يدفع ثمنها.

يدفع ثمنها من أمنه عندما تصبح أجواؤه ومياهه الإقليمية جزءاً من مسار المواجهة، ويدفع ثمنها من اقتصاده عندما ترتفع كلف الطاقة والنقل والتأمين وتتأثر حركة التجارة والسياحة والاستثمار، ويدفع ثمنها من ظروف معيشة أبنائه عندما تتحول الاضطرابات الإقليمية إلى ضغوط إضافية على الأسعار والدخل وفرص العمل.

وهنا لا تعود المسألة مجرد تداعيات أمنية عابرة، وإنما تصبح كلفة متراكمة تطال الدولة والمجتمع والاقتصاد، في الوقت الذي يبقى فيه الأردن مطالباً بحماية أمنه وحدوده واستقراره، رغم أنه ليس طرفاً في صناعة الصراع ولا في تحديد مساراته.
وهذه هي خصوصية الموقف الأردني. فالأردن يحاول أن يحافظ على علاقاته وشراكاته الدولية، وأن يؤدي دوره في حماية أمن المنطقة واستقرارها، لكنه في الوقت نفسه لا يستطيع عزل نفسه عن جغرافيا أصبحت فيها الأزمات متداخلة من غزة إلى الضفة الغربية ولبنان وسوريا والعراق وإيران.


ومن ثم، فإن استمرار تحويل المنطقة إلى مساحة لتصفية الحسابات السياسية والانتخابية الأمريكية والإسرائيلية يضع الأردن أمام معادلة صعبة؛ فكلما ارتفع منسوب التصعيد، ارتفعت أهمية الدور الأردني في حفظ الأمن الإقليمي، لكن ارتفعت معه أيضاً كلفة هذا الدور على الدولة والمجتمع والاقتصاد...وهنا ينبغي إعادة تعريف مفهوم "تصدير الأزمة". فالأزمة لا تُصدّر فقط عندما تنتقل الصواريخ والطائرات أو موجات النزوح، وإنما تُصدّر أيضاً عندما تنتقل كلفة الحرب إلى أسعار الطاقة، وحركة التجارة، والسياحة، والاستثمار، والنقل، وفرص العمل، ومستوى معيشة المواطن...وهذا هو الجانب الذي ينبغي ألا يغيب عن أي قراءة للمشهد الإقليمي.

فإذا كانت واشنطن وتل أبيب تخوضان معركتهما تحت ضغط الانتخابات، وإذا كانت إيران تدير صراعها وفق حساباتها الأمنية والاستراتيجية، فإن الأردن يخوض معركته من أجل حماية الاستقرار الوطني. وبين المعركتين فارق جوهري؛ فهناك من يبحث عن مكسب سياسي أو انتخابي، وهناك من يبحث عن منع الخسارة الوطنية...ومن هنا، فإن المصلحة الأردنية لا تتمثل في الانحياز إلى التصعيد أو الدخول في صراعات الآخرين، وإنما في العمل على إنهاء دورة التصعيد، وترسيخ مسار سياسي إقليمي قادر على فصل الملفات الأمنية عن الحسابات الانتخابية، ومنع تحويل المنطقة إلى صندوق انتخابي تدفع دولها وشعوبها ثمن نتائجه.

لكن الأردن لا يستطيع أن يبقى مجرد متلقٍ لتداعيات الأزمات. فإذا كانت كلفة الأزمة قد جرى تصديرها إلى الأردن، فمن حق الأردن أن يطالب بأن تتحول المسؤولية السياسية إلى مسؤولية اقتصادية أيضاً...فالأردن، الذي يتحمل أعباء حماية أمنه واستقراره، ويتحمل في الوقت نفسه آثار أزمات لم يكن طرفاً في صناعتها، من حقه أن يطالب الأطراف التي صنعت الأزمة أو ساهمت في استمرارها بتحمل جزء من فاتورتها، وأن تكون هناك آليات واضحة لمعالجة هذه الكلفة، سواء من خلال الدعم الاقتصادي، أو ضمانات الطاقة، أو حماية التجارة والاستثمار، أو دعم القطاعات التي تتضرر من تداعيات الصراع.
فالأردن ليس ساحة لتصفية الحسابات، ولا ممراً لتحميل الآخرين أزماتهم، ولا اقتصاداً مفتوحاً لدفع فواتير الحروب التي لم يصنعها.

وإذا كان الآخرون قد أتقنوا فن "تصدير الأزمة"، فإن على الأردن أن يتقن فن "تصدير الفاتورة"؛ لا بمعنى تصدير الحرب أو الفوضى، وإنما بمعنى إعادة توزيع كلفة الأزمة على الأطراف التي صنعتها، وعدم ترك المواطن الأردني وحده يتحمل نتائجها.
وهنا تصبح "فاتورة تصدير الأزمة" عنواناً لموقف سياسي أردني واضح: لسنا معنيين بتصدير الصراع، لكننا معنيون بأن لا تتحول تداعياته إلى عبء أردني دائم. ولسنا طرفاً في الحرب، لكننا طرف متأثر بها، ومن حقنا أن تكون لنا كلمة في تحديد كلفتها وكيفية تحملها.

فالانتخابات تنتهي، والحكومات تتغير، والحروب تتوقف في النهاية، لكن آثار الأزمات التي تُصدّر إلى الآخرين قد تبقى سنوات طويلة. ولذلك فإن الأردن يحتاج اليوم إلى هندسة سياسية جديدة لإدارة الأزمات، تقوم على تحويل موقعه الجغرافي من مصدر للكلفة إلى مصدر للقوة، وعلى جعل استقراره مصلحة إقليمية ودولية لا يجوز تجاوزها..فإذا كان من حق الآخرين أن يصدّروا أزماتهم، فمن حق الأردن أن يطالب بتصدير فاتورة كلفتها إلى من صنعها. أما أن تُصدّر الأزمة إلى الأردن، وتبقى الفاتورة أردنية، فهذه معادلة لم تعد مقبولة على اقل تقدير شعبيا .