بقلم : نضال فيصل البطاينة

هذا هو السؤال الذي يستحق أن يُطرح قبل سؤال "أين الملك؟" 

كيف بقي الأردن واقفاً في خضم ظروفه الاستثنائية، وفي منطقة ملتهبة لم ترحم أحداً؟ كيف حافظت دولة محدودة الموارد والإمكانيات على تماسكها وأمنها بينما انهارت دول تفوقها من حيث الإمكانيات وحتى الموقع الجغرافي؟ نعم سقطت جيوش وتفككت مؤسسات وسقطت أنظمة من حولنا وتحولت عواصم إلى ساحات حرب. 

كيف عبر الأردن حرب العراق، والحرب السورية، وموجات اللجوء، والإرهاب، وأزمات الطاقة، والانهيارات الاقتصادية، وجائحة كورونا، وحرب غزة، والتصعيد الإقليمي، وبقيت مؤسساته وجيشه وحدوده ودولته قائمة ومنيعة؟

والأهم؛ كيف فعل الأردن ذلك وسط منظومة دولية وإقليمية معقدة، تحكمها المصالح والتحالفات والتفاهمات والصفقات بشتى أنواعها، بعضها مُعلن وبعضها لا يُقال أمام الكاميرات؟ 

عند الإجابة على هذه الأسئلة، يكون بذلك رداً على سذاجة سؤال "أين الملك"، هذا السؤال الساذج الذي يبدو جذاباً إعلامياً ويروق للبعض من المتربصين، لكنه يقوم على افتراض مراهق هو أن غياب الملك عن الشاشة يعني غيابه عن السياسة، وأن السفر تعني الابتعاد عن الأردن، وأن قلة المقابلات أو تمكين سمو ولي العهد الشاب  وتكليفه ببعض الملفات العامة في مجتمع فتي وشاب يعني تراجع القيادة. 

ما تمت كتابته في مجلة يفترض انها سياسية ليس تحليلاً سياسياً، بل خلط بين الحضور الإعلامي والحضور السياسي، فالملك ليس مذيعاً في نشرة أخبار، والأردن ليس استوديو لوكالة إعلامية، فالسياسة تُمارس في الغرف المغلقة كما تُمارس أمام الكاميرات، وفي الاتصالات والاتفاقيات والتحالفات كما تُمارس في الخُطب. 

ففي دولة مثل الأردن، العلاقات الخارجية ليست ترفاً بروتوكولياً؛ إنها جزء من أدوات البقاء، نحن لسنا دولة عظمى اقتصاديا وعسكريا تفرض شروطها، ولا دولة نفطية تستطيع شراء أمنها، ولا جزيرة تستطيع الانعزال عن محيطها، بل بلدٌ يقع في قلب منطقة تتصارع فيها القوى الكبرى والإقليمية، ولذلك فإن علاقاته مع واشنطن وبكين وأوروبا والعالم العربي ليست لعبة شعارات، بل إدارة لمصالح دولة تحمي نفسها وسط عاصفة مفتوحة. 

نعم يمكن للبعض انتقاد هذه العلاقات و المطالبة بمراجعتها، لكن اختزالها في معادلة أن "العلاقة مع أميركا تعني ضعف الأردن" ليس تحليلاً، بل تبسيط سياسي شديد السذاجة. 

ولمن تدّعي أنها مجلّة تحليل سياسي مرموقة؛ الأردن ليس ملفا يمكن جمعه من عناوين الصحف: بطالة، غزة، إيران، أميركا، الإخوان، السفر، الوجود العسكري، ثم وضع خط تحتها جميعاً وكتابة: "أين الملك؟" فهناك تاريخ وجغرافيا ومجتمع وقضية فلسطينية وجيش ومؤسسات وأمن واقتصاد محدود وذاكرة سياسية وتوازنات داخلية وإقليمية، وهذه بالقطع ليست لعبة شطرنج على ورقة، إنما دولة تحاول البقاء وستبقى بحكمة قيادتها ووفاء شعبها. 

لا يعني ذلك أن الأردن بلا أخطاء، أو أن سياساته فوق النقد، فقد تكون هناك قرارات وسياسات تستحق المساءلة والنقد والتدقيق، لكن النقد الحقيقي لا يبدأ من عدد مرات ظهور الملك على الشاشة، بل يبدأ من سؤال أكثر صعوبة:

ما الذي جعل الأردن يصمد؟

ما الذي قَبِلَه وما الذي رفضه؟ ما الذي دفع ثمنه؟ وما البدائل التي كانت أمامه؟ وكيف نجا من مصائر دول كانت تملك موارد وقدرات أكبر بكثير؟ فالدولة التي نجت وسط هذا الركام تستحق أن تُفهم قبل أن تُحاكم.

وبالنهاية فإن القيادة ليست كاميرا، والدولة ليست مقابلة تلفزيونية، والتاريخ لا يقيس حضور الدول بعدد مرات ظهور قادتها على الشاشة. 

حمى الله الأردن أرضا وهوية وشعبا وقيادة ، وسياجنا قواتنا المسلحة وأجهزتنا الأمنية.

Elbatayneh.nedal@gmail.com