يواجه سكان قطاع غزة تحديات صحية متفاقمة نتيجة النقص الحاد في المستلزمات الطبية والخاصة بالبصريات، حيث بات الحصول على نظارة طبية مناسبة أو عدسات لاصقة معقمة ضربا من المستحيل في ظل الحصار المستمر. وتدفع هذه الظروف القاسية الكثير من المواطنين إلى ابتكار حلول بدائية لترميم نظاراتهم المكسورة أو الاستمرار في ارتداء عدسات لاصقة تجاوزت تاريخ صلاحيتها بسنوات، مما يضع سلامتهم البصرية في مهب الريح. وتكشف المعطيات الميدانية عن اتساع رقعة المعاناة لتشمل كافة الفئات العمرية التي فقدت القدرة على ممارسة أبسط تفاصيل الحياة اليومية كالقراءة أو التنقل بأمان.

واوضحت شهادات حية لمواطنين في القطاع أن النظارة الطبية تحولت من وسيلة مساعدة للرؤية إلى حلم يصعب تحقيقه، حيث قال مسن فقد نظارته التي رافقته لثلاثة عقود إنه يعيش حالة من العجز التام عن القراءة أو ممارسة عباداته اليومية بسبب ارتفاع الاسعار الجنوني وغياب البدائل في الاسواق. واضاف مواطنون اخرون أنهم يضطرون لربط إطارات نظاراتهم المكسورة بوسائل بدائية للبقاء قادرين على رؤية الطريق خلال تنقلاتهم، بينما تزداد المخاطر الصحية مع اضطرار البعض لاستخدام عدسات طبية منتهية الصلاحية منذ سنوات طويلة تحت ضغط الحاجة الماسة للرؤية.

وبين سكان غزة أن غياب المقاسات المناسبة للعدسات وتوفرها في المحال التجارية يفاقم من صعوبة الموقف، مؤكدين أنهم يجدون مشقة بالغة حتى في ابسط المعاملات المالية اليومية لعدم قدرتهم على تمييز العملات أو قراءة التفاصيل الصغيرة. وشدد المتضررون على أن فقدان القدرة على الابصار بوضوح يعيق قدرتهم على التكيف مع ظروف النزوح الصعبة، مطالبين بضرورة السماح بادخال المواد الطبية الضرورية لقطاع البصريات لانقاذ ما يمكن انقاذه من حواسهم التي تتدهور يوما بعد يوم.

واقع مرير يواجه اصحاب المتاجر في غزة

واكد اصحاب محال البصريات أن معاناتهم تتوازى مع معاناة الزبائن، حيث كشف احد الباعة عن وجود شح كبير في المواد الخام والعدسات الجاهزة التي كانت تتوفر بشكل اعتيادي. واوضح أن الزبائن باتوا يقبلون على شراء عدسات منتهية الصلاحية منذ سنوات، موضحا أن ردهم الموحد عند تحذيرهم من المخاطر هو الرغبة في الرؤية فقط مهما كانت العواقب الصحية، وهو ما يعكس حجم اليأس الذي وصل اليه الناس في ظل غياب أي أفق لتوفير مستلزماتهم الطبية الاساسية.

واضاف التاجر أن التلف الذي طال نظارات السكان خلال فترات النزوح والدمار زاد من حجم الطلب، بينما تظل الرفوف فارغة من القطع الاساسية، مما ادى الى قفزات غير مسبوقة في اسعار ما تبقى من مخزون قديم. وبين أن الكثير من الاطارات التي يتم اصلاحها في المحال هي محاولات يائسة لاعادة الحياة لنظارات متهالكة، في وقت يعجز فيه المواطنون عن دفع تكاليف النظارات الجديدة التي تضاعفت قيمتها بشكل كبير بسبب ندرة المواد.

واشار العديد من الشباب في القطاع الى أنهم يبحثون منذ سنوات عن مقاسات نظر دقيقة دون جدوى، حيث قال احدهم إنه اضطر لاستخدام عدسات شمسية مؤقتة لتحسين الرؤية لكنها سرعان ما تعرضت للتلف. واضاف أن التنقل بين المحال التجارية اصبح روتينا يوميا مرهقا ينتهي غالبا بالفشل في العثور على العدسة المناسبة، مما يتركهم في مواجهة مباشرة مع ضعف النظر الذي يؤثر على كافة جوانب حياتهم في مراكز الايواء والخيام التي تفتقر لابسط مقومات الرعاية الصحية.

تداعيات الازمة على الحياة اليومية

واظهرت تقديرات الامم المتحدة أن الغالبية العظمى من سكان القطاع باتوا يعتمدون بشكل كلي على المساعدات، وهو ما ينسحب على القطاع الصحي الذي يعاني من انهيار شبه تام. واكد مراقبون أن استمرار نقص مستلزمات البصريات يمثل ازمة صامتة تضاف الى سجل الازمات التي تضرب غزة، حيث يجد مئات الالاف من النازحين انفسهم عاجزين عن رؤية العالم من حولهم بوضوح في ظل دمار واسع يطال كل شيء.

وبينت التقارير الواردة من القطاع أن التحدي لا يتوقف عند فقدان النظارة، بل يمتد ليشمل مخاطر التلوث والالتهابات الناتجة عن سوء استخدام العدسات في بيئات تفتقر للتعقيم. واضاف المختصون أن غياب النظارات الطبية يؤدي الى مضاعفات صحية خطيرة على المدى البعيد، مما يتطلب تدخلا عاجلا لتوفير هذه المستلزمات قبل أن تتحول الازمة الى فقدان دائم للقدرة على الابصار لدى شريحة واسعة من السكان.

واوضح الواقع الميداني أن كل يوم يمر دون توفير المواد الطبية يعني مزيدا من المعاناة لعائلات فقدت منازلها وممتلكاتها، وتجد اليوم نفسها في صراع من اجل الحفاظ على ابسط الحواس البشرية. واكد السكان أنهم مستمرون في محاولاتهم للبحث عن حلول وسط، لكن يبقى الامل معلقا على فتح المعابر وادخال المساعدات الطبية الضرورية التي توقف تدهور حالتهم الصحية وتمنحهم فرصة للرؤية مجددا.