شهد قطاع غزة في مطلع شهر ابريل واقعة مأساوية هزت الراي العام الدولي، حيث اسفرت ثلاث غارات جوية اسرائيلية متتالية عن مقتل سبعة من العاملين في منظمة المطبخ المركزي العالمي على طريق رفح. وبينت التحقيقات ان هؤلاء الضحايا كانوا في مهمة انسانية منسقة مسبقا مع جيش الاحتلال، مما جعل هذه الحادثة دليلا دامغا على حجم المخاطر التي تلاحق الطواقم الاغاثية في ظل استمرار الحرب. واظهرت تقارير صحفية ان الجيش الاسرائيلي كان شريكا في التخطيط لعملية توصيل المساعدات الغذائية، في وقت يعاني فيه القطاع من حصار خانق يهدد بمجاعة حقيقية. واكدت المصادر ان شحنة المساعدات التي ضمت اكثر من مليون وجبة كانت تمثل بارقة امل لسكان غزة قبل ان تتحول الى مسرح للجريمة.

سيناريو الاستهداف والاشتباه

وكشفت المعطيات ان تنسيق عملية التسليم استغرق اياما طويلة لضمان وصول الغذاء تحت حماية عسكرية متفق عليها، حيث كان هناك ضابط يراقب سير العملية على الرصيف البحري. واضافت المعلومات انه بعد انتهاء تفريغ الشحنة حدث تأخير في الحصول على الموافقة الامنية النهائية لمغادرة القافلة، وهو ما دفعها للتحرك ليلا تحت مراقبة طائرات مسيرة اسرائيلية. وبينت التحقيقات ان لواء ناحال المسؤول عن المنطقة لم يتلق احاطة كاملة بشأن تفاصيل المهمة، مما خلق فجوة معلوماتية قاتلة ادت في نهاية المطاف الى اتخاذ قرارات ميدانية متسرعة وقاتلة.

واوضحت الوقائع ان وجود حراس محليين مع القافلة، وهو امر روتيني في غزة، فُسر بشكل خاطئ من قبل القوات الاسرائيلية التي اعتبرت الامر محاولة استيلاء من قبل حماس. وشدد المحللون على ان هذا الاستنتاج بني على افتراضات واهية وتجارب سابقة غير دقيقة، حيث لم يتم التحقق من طبيعة هؤلاء الحراس او مهامهم. واكدت المنظمة ان سياستها تمنع الاستعانة بمسلحين، الا ان الفريق الميداني اضطر لذلك تحت ضغط ظروف العمل المعقدة، وهو ما استغلته القيادات العسكرية لتبرير الهجوم.

فشل الاتصالات وتضارب الروايات

واظهرت المراسلات ان المقر الرئيسي للمنظمة في الولايات المتحدة تواصل مع الجيش الاسرائيلي لطمأنتهم بأن القافلة لم تتعرض للاختطاف، مؤكدين ان الحراس لا يملكون سوى اسلحة مزيفة. واضافت التقارير ان وصول الشاحنات فعليا الى مستودع دير البلح كان يجب ان يكون دليلا كافيا على سلامة الموقف، لكن القيادة العسكرية تجاهلت هذه الحقائق الميدانية. وبينت الوقائع ان المدعي العسكري الاسرائيلي حاول تبرير عدم المضي في اجراءات جنائية عبر تجاهل خلل الاتصال الصارخ بين مختلف الوحدات العسكرية.

واكدت الروايات ان الموظفين بقوا بالقرب من مركباتهم لمدة عشر دقائق بعد تفريغ المساعدات، وهي فترة قصيرة كانت كافية ليقرر قادة الميدان انهم اصبحوا اهدافا مشروعة. واضاف العقيد في الاحتياط نوحي مندل ان عملية التجريم تمت وفق القواعد، مدعيا انهم اختلطوا بعناصر مسلحة، وهو ما نفته المنظمة بشدة واصفة اياه بالادعاءات العارية عن الصحة. واوضح الخبراء ان السلطة التقديرية الممنوحة للقادة الميدانيين في تحديد الاهداف ادت الى تحويل العمل الانساني الى جريمة حرب مكتملة الاركان.

سلسلة الضربات القاتلة

وكشفت التحقيقات ان القافلة تعرضت لضربات متتابعة استهدفت المركبات الثلاث واحدة تلو الاخرى، مما ادى الى مقتل الضحايا السبعة من جنسيات مختلفة في غضون اربع دقائق فقط. واضافت الرواية ان الناجين من الضربة الاولى انتقلوا للمركبة الثانية، ثم للثالثة، قبل ان تطالهم نيران الطائرات المسيّرة دون رحمة. وبينت الوقائع ان جيش الاحتلال كان يراقب تحركات القافلة بدقة، مما يثبت ان الاستهداف لم يكن نتيجة خطأ عرضي بل كان قرارا مدروسا.

واكدت المصادر ان الزعم بتغيير المسار لا اساس له من الصحة، حيث ان الموظفين اتجهوا غربا نحو الساحل للعودة الى مقر اقامتهم في رفح بعد تأخر الرحلة. واضاف مندل في تبريراته انهم لم يخططوا لقتل عمال الاغاثة، لكنه استطرد بأنهم لم يكونوا ابرياء لانهم كانوا على صلة بحماس، وهو تبرير قوبل باستنكار دولي واسع. واكدت المنظمة في بيانها ان الاعتماد على ادلة واهية لقتل العاملين في المجال الانساني يعكس حالة من الاستهتار بحياة البشر في ظل الحرب المستمرة على غزة.