في تحولها إلى مسلسل درامي يعرضه التلفزيون الأردني، خلال شهر رمضان من العام المقبل، تكون رواية "حكي القرايا" للأديب الأردني رمضان الرواشدة، من أول المشاريع التي تنقل السردية الأردنية إلى الشاشة الصغيرة.

إنها خطوة يعول عليها في تدشين رواية تاريخيةمتماسكة لنشوء الدولة الأردنية، وتشكل هويتها. وهما أمران تنشغل بهما دوائر صنع القرار والنخب الثقافية والسياسية في الاردن، لبناء صورة حديثة ذات مرجعيات تاريخية بعيدة ومتنوعة.

جاء مشروع السردية، بحسب موقع وزارة الثقافة الأردنية، "استجابة لرؤية ولي العهد الأمير الحسين بن عبدالله الثاني، الهادفة إلى توثيق الإرث الحضاري الأردني الممتد عبر العصور، وصياغة رواية وطنية معاصرة تعكس تاريخ الأردن ومكانته الحضارية، وتخاطب الأجيال الشابة بلغة وأدوات رقمية حديثة".

تغطي رواية "حكي القرايا"، التي صدرت عن المؤسسة العربية للدراسات والنشر في بيروت، الفترة التاريخية من حملة القائد المصري إبراهيم محمد علي باشا عام 1834، وتنتهي بالثورة العربية الكبرى. ومن ثم تأسيس إمارة شرق الأردن في الـ11 من أبريل (نيسان) عام 1921 بقيادة الأمير عبدالله بن الحسين. وفي غضون هذه الفترة تتأمل الرواية في حيثيات لجوء الثائر الفلسطيني قاسم الأحمد، قائد ثورة الفلاحين في الخليل ونابلس، للكرك هرباً من بطش الأتراك، واحتضان الأهالي له وحمايته وافتداء عشيرة الضمور، الثائر الأحمد بولديها، السيد وعلي اللذين أمر إبراهيم باشا بقتلهما حرقاً.

قران الواقع والخيال

الرواية التي ستتحول مسلسلاً أردنياً (المؤسسة العربية)

الرواية، وفق ما قال كاتبها لـ"اندبندنت عربية" عمل مُتخيل جرى فيه صهر الوقائع المحكية من المرويات الشفوية في إطار فني استعان بالوثائق والأحداث العاصفة التي جرت في الجنوب الأردني، وبخاصة في منطقة قلعة الكرك التاريخية. ويأمل الرواشدة أن يسهم تحويل الرواية إلى الدراما المرئية، بإشراف الكاتب سائد بشير هوراي، إلى انطلاق التوثيق التلفزيوني والسينمائي لصيرورة السردية الأردنية، كاشفاً عن عروض "لاستئناف الرواية من خلال أجزاء جديدة تتقصى تحولات وتحديات نشوء المملكة الأردنية الهاشمية" التي استقلت عام 1946.

تنفتح الرواية (وهي نوفيلا قصيرة) على عالم "منصور الأعمى" الذي يعد الشخصية المحورية في السرد، والذي ورث عن أبيه القاضي العشائري (الأمير عزالدين أو حمرا) الحكمة وبعد النظر، فسار على خطاه في نزع فتيل الخصومات وإطفاء المشكلات المعقدة بين القبائل بدهاء شهد له به القاصي والداني في جنوب الأردن، حتى سمي "منقع دم" أو "فكاك النشب". ويتزامن زواج الشيخ منصور مع ورود أنباء عن وصول جيش إبراهيم باشا إلى جنوب الأردن واقترابه من الكرك، مزوداً "بجيش كبير ومدافع وأسلحة كثيرة".

المشروعية الأخلاقية

الرواية تستثمر في هذا الحدث لبناء مشهدية جغرافية وتاريخية منطلقها تأثيث السرد بأسباب المشروعية الأخلاقية بالدرجة الأولى التي بنت الكيان السياسي لاحقاً، وهي مشروعية تتغذى على قيم الفروسية والتضامن والشجاعة ورفض الذل والانكسار، وتنهل من روح شعبية وثابة تتناقل أمثالها الألسنة: "يالله على الردي واللي تحزم فيه... وإن مات الردي يا عين لا تبكيه". لذا يتكئ النص على قيم العرض وصيانة النساء من الأذى، فبسبب اعتداءات على نساء المنطقة، كما في حالة الفتاتين "شوهة" و"شيحة"، نشبت معارك وأُسيلت دماء.

وفي رسمه لصور "الأبطال" الإيجابيين يحرص الروائي على شحن لغته بطاقة من التمجيد والحماسة، في مقابل رسم صورة تقزيمية سلبية للخصوم. لكن ذلك يتم على امتداد غالب صفحات الرواية، بسرد عجول، وزخرفة لغوية متقشفة، وانشغال "كسول" بالتقنيات الفنية لبناء السرد الروائي، فضلاً عن منع الاسترسال والإسهاب في ملاحقة التفاصيل التي يكبحها النص لمصلحة إلماعات لا تطفئ ظمأ القارئ، ولا تلبي حاجته المرتجاة من التشويق.

 

 

لذا، سيكون السيناريست والمخرج سائد الهواري (الذي أخرج كثيراً من الأعمال الخليجية)، أمام مهمة ممتدة لتشقيق النص وتسييل مياهه، بما يكفي لغمر فترة زمنية تصل إلى زهاء 90 عاماً، في ظل عسر المصادر التاريخية، وتبايناتها.

الرواية، فضلاً عن ذلك، تواجه زمنياً متناثراً وليس متنامياً، كأن يصبح الطفل راشد نجل الشيخ منصور الأعمى شاباً، في إغماضة زمنية، ويقود قوة مسلحة من "عشائر القلعة" للأخذ بثأر أبيه الذي مات غيلة على يد قطاع طرق من "الدعجان" والمنشقين عن عشائرهم، أثناء عودة الأب وحيداً من منطقة الجفر بعد نجاحه وزهوه بحل نزاع عشائري معقد. ويبدو راشد متسلحاً بعدة مفاهيمية ذات مناقب مستقاة من التاريخ العربي الإسلامي، حين أوصى الخليفة الأول أبو بكر الصديق جيش القائد أسامة بن زيد عشية توجهه لفتح الشام، بوصايا 10 صارت منهاجاً في الحروب، وعليها اعتمد الشيخ راشد: "إياكم أن تقتلوا شيخاً كبيراً، أو امرأة، أو طفلاً، ولا تذبحوا شاة أو بعيراً، أو تقطعوا شجرة، ولا تمثلوا بجثة أحد من عيال الدعجان".

"صباح الدعجان"

وبانتصار الفئة القليلة على جموع قطاع الطرق والنيل منهم، صار "صباح الدعجان" لحظة فارقة في الجنوب الأردني، إذ يقدح النص من نارها لشحذ السردية الوطنية، من دون أن يكون ذلك مشفوعاً بمحتوى تخييلي عابر للتاريخ السائر الذي يعد مخزناً للأحداث والحكايا والتفاصيل. وفي غمرة ذلك يكاد القارئ لا يتبين على وجه الدقة الملامح الفارقة لدى غالبية الشخصيات في الرواية، وربما ظن السارد أن وظيفة القراء ملء فراغات النص بما طاب لهم من خيال، فهل كان الكاتب يتغيا ذلك؟!

بيد أن الرواية، في مقاطعها الأخيرة "تستفيق" على ضرورة الوصف التفصيلي الممزوج بـ"الأسطرة" وهو ما يتجلى بصورة ساطعة في مقطع "ذهب القلعة" الذي يسرد حلماً خلبياً داهم الشيخ راشد أثناء نومه الثقيل. وكان هذا المقطع، على مستوى السرد والإثارة والوصف، من أبهج مقاطع الرواية، إذ تعانق الصحو واليقظة في غموض آسر أنجب لذة مسحت على يد النص المتجهم.

وإضافة إلى مشهد "ذهب القلعة" ثمة مشهد آخر "الرحيل إلى الكرك" لا يقل براعة في شحن اللغة بطاقة متوترة من التعبير والتصوير خلال سرد وقائع مذبحة المغارة التي تم فيها الانتقام من قطاع الطرق من "عيال العلان" وتفريق شملهم وإبعاد أذاهم عن "حلف القرايا".

وعلى رغم اعتراف الكاتب الرواشدة لـ"اندبندنت عربية" بأن "حكي القرايا" "غير منشغلة بالتاريخ والتأريخ" إلا أن القراءة تتعثر بأحكام معيارية ذات حمولات سياسية متأثرة بالتاريخ في شقه السياسي، وراغبة على نحو مضمر في إبداء موقف، أو توجيه رسالة تتخطى التبليغ الجمالي، وهو ما تجسد في المقطع الأخير من الرواية: "... ولكن حكي القرايا المبثوث إلى يومنا هذا في المرويات الشفوية في الجنوب الأردني، سيبقى مختلفاً كثيراً عن كل ما يروى من حكي السرايا"