بقلم: عوني الرجوب
باحث وكاتب سياسي
هناك شخصيات وطنية لا تحتاج إلى منصب حتى تثبت قيمتها، ولا تحتاج إلى شهادة من أحد حتى تؤكد حضورها، لأن ما قدمته من علم وخبرة ومعرفة يشهد لها.
ومن بين هذه القامات التربوية الأردنية التي تستحق منا الوقوف عندها بكل احترام وتقدير، الدكتور ذوقان عبيدات والدكتور محمود المساد العمري؛ وهما من الأسماء التي ارتبطت على مدى سنوات طويلة بقضايا التربية والتعليم والمناهج وتطوير التعليم، وامتلكا خبرة متخصصة لا يجوز أن تبقى على هامش القرار التربوي.
إن الحديث عن الرجلين ليس حديثًا عن أشخاص يبحثون عن منصب، ولا عن مطالبة بتكريم شكلي أو لقب بروتوكولي، وإنما هو حديث عن ثروة وطنية من المعرفة والخبرة.
فالدكتور ذوقان عبيدات صاحب مسيرة طويلة في التربية والمناهج والتخطيط التربوي، وتولى مواقع قيادية مهمة، من بينها أمين عام وزارة التعليم العالي، إلى جانب خبرته الواسعة في مجال التربية والمناهج والتخطيط، وهو من أصحاب الحضور المعروف في قضايا تطوير التعليم والمناهج.
أما الدكتور محمود المساد العمري، فهو كذلك من الكفاءات التربوية الأردنية التي راكمت خبرة طويلة في ميدان التربية والتعليم والمناهج، وتولى مسؤوليات قيادية في هذا المجال، من بينها مدير عام المناهج والكتب المدرسية في وزارة التربية والتعليم، وهي مسؤولية ترتبط مباشرة بأحد أهم الملفات التي تشكل مستقبل العملية التعليمية في الأردن ومدير المركز الوطني للمناهج الذي يتبع رئيس الوزراء مباشرة .
وهنا يصبح السؤال مشروعًا:
كيف يمكن لدولة أن تمتلك خبرات بهذا المستوى، ثم لا تستفيد منها بالقدر الذي تستحقه؟
فالدكتور ذوقان عبيدات يعرف وزارة التعليم العالي من الداخل، ويعرف التربية والمناهج والتخطيط التربوي، والدكتور محمود المساد العمري يمتلك خبرة مباشرة في واحد من أكثر الملفات حساسية وأهمية، وهو المناهج المدرسية.
أي أننا لا نتحدث عن أشخاص بعيدين عن الميدان، بل عن خبراء عاشوا التجربة وتولوا المسؤولية وعرفوا تفاصيلها من داخل مؤسسات الدولة.
ولذلك أقول بكل وضوح:
أنصفوا هؤلاء الخبراء قبل أن يأتي يوم الندم.
لا تنتظروا أن يصبح أمثال هؤلاء مجرد أسماء في كتب التاريخ أو سير ذاتية نستعيدها بعد سنوات ونقول: كان في الأردن خبير تربوي كبير اسمه ذوقان عبيدات، وكان لدينا خبير تربوي متميز اسمه محمود المساد العمري، ولم نحسن الاستفادة من خبرتهما عندما كانا قادرين على تقديم المزيد.
الدولة التي تريد إصلاح التعليم لا تبدأ من الصفر كل مرة، ولا تتعامل مع الخبرة الوطنية وكأنها تنتهي بانتهاء الموقع الرسمي.
الدول التي تتقدم هي التي تعرف قيمة عقولها، وتحافظ على خبرائها، وتستدعيهم عندما تحتاج إلى الرأي العلمي، حتى لو اختلفت معهم في بعض التفاصيل.
فالاختلاف مع الخبير لا يعني إقصاءه، والنقد الذي يوجهه الخبير لا ينبغي أن يكون سببًا لإبعاده، بل يمكن أن يكون مدخلًا لتصحيح المسار.
نحن بحاجة إلى تعليم يصنع الإنسان، لا إلى تعليم يملأ الذاكرة بالمعلومات فقط.
نحتاج إلى مدرسة تعلم أبناءنا التفكير والتحليل والنقد والإبداع والبحث والانتماء الوطني، وتحترم عقل الطالب الأردني، وتجعله قادرًا على مواجهة عالم يتغير كل يوم.
ومن هنا أقول:
وزارة التربية والتعليم تحتاج إلى قيادة تعرف التربية والتعليم والمناهج معرفة حقيقية، لا إلى من يبدأ بتعلم الملف بعد وصوله إلى الوزارة
ووزارة التعليم العالي كذلك تحتاج إلى قيادة تدرك طبيعة التعليم العالي والجامعات والبحث العلمي وإعداد الإنسان الأردني للمستقبل.
ولذلك فإن وجود شخصيات مثل الدكتور ذوقان عبيدات والدكتور محمود المساد العمري في مواقع القرار أو في مواقع الاستشارة العليا ليس ترفًا، وإنما يمكن أن يكون استثمارًا حقيقيًا في العقل الأردني.
أنا لا أقول إن الوزير يجب بالضرورة أن يكون أحد الرجلين، فاختيار الوزراء شأن منوط بصاحب القرار، ولكنني أقول إن الكفاءة والخبرة يجب أن تكونا معيارًا أساسيًا في اختيار من يتولى أخطر الملفات المتعلقة بمستقبل الأردن.
فالتربية ليست وزارة خدمات فقط
والتعليم العالي ليس مجرد وزارة تدير الجامعات.
هاتان الوزارتان تصنعان الإنسان الأردني، وتحددان إلى حد كبير شكل الدولة والمجتمع في المستقبل.
ولهذا فإن إبعاد أصحاب الخبرة الطويلة، أو عدم الاستفادة منهم، أو تركهم خارج دائرة القرار، هو خسارة لا يتحملها الشخص وحده، وإنما يتحمل الوطن جزءًا منها.
أنصفوا الدكتور ذوقان عبيدات قبل أن يأتي يوم نقول فيه:
كان في الأردن خبير تربوي كبير، تولى مواقع قيادية، وامتلك علمًا وخبرة وتجربة طويلة، وطرح أفكارًا في المناهج والتعليم، لكننا لم نحسن الاستفادة من قدراته في الوقت المناسب.
وأنصفوا الدكتور محمود المساد العمري قبل أن يأتي يوم نقول فيه:
كان في الأردن خبير تربوي متميز، تولى مسؤوليات قيادية في مجال المناهج، وعرف هذا الملف من داخله، وامتلك تجربة ومعرفة، وكان يمكن أن يقدم الكثير، لكننا لم نعطه المساحة الكافية ليضع خبرته في خدمة وطنه.
فالندم لا يعيد الخبرة عندما تضيع الفرصة.
والأوطان العاقلة لا تنتظر رحيل علمائها وخبرائها حتى تبدأ في الحديث عن إنجازاتهم.
لا نريد أن نكرم خبراءنا بعد أن يصبح التكريم ذكرى.
نريد أن نستفيد منهم وهم بيننا، وهم قادرون على العطاء، وهم قادرون على الحوار والنقاش والتطوير.
نريد أن نسمع رأيهم، وأن نختلف معهم إن اقتضى الأمر، وأن نحاورهم، وأن نستفيد من تجاربهم.
فالخبير الحقيقي ليس من يصفق للقرار، وإنما من يمتلك الشجاعة العلمية ليقول: هذا صحيح، وهذا يحتاج إلى تعديل، وهذا الطريق أفضل من ذاك.
وهذه هي قيمة الخبرة.
وهذه هي قيمة الرجال الذين أمضوا أعمارهم في العلم والمعرفة.
إن الأردن ليس فقيرًا بالعقول.
الأردن مليء بالكفاءات والخبرات في التربية والطب والهندسة والقانون والاقتصاد والسياسة والعلوم وغيرها.
لكن مشكلتنا أحيانًا ليست في غياب الكفاءات، بل في غياب المنهج الذي يضع الكفاءة في مكانها الصحيح.
ولهذا فإنني أوجه هذه الرسالة إلى أصحاب القرار:
لا تتركوا الخبراء الوطنيين خارج دائرة الاستفادة.
افتحوا لهم أبواب المؤسسات والمجالس واللجان ومراكز الدراسات والجامعات والمشروعات الوطنية.
استفيدوا من خبرتهم حتى لو لم يتولوا منصبًا رسميًا.
فالمنصب ينتهي، أما العلم فيبقى.
والوظيفة تنتهي، أما التجربة فتظل ملكًا للوطن.
والرجل الذي أمضى عقودًا في العلم لا يجوز أن يصبح خارج المشهد لمجرد أنه لم يعد في موقع رسمي.
نريد دولة تستثمر في عقول أبنائها، لا دولة تكتشف قيمة أبنائها بعد فوات الأوان.
ولذلك أقولها بصراحة:
أنصفوا الدكتور ذوقان عبيدات.
وأنصفوا الدكتور محمود المساد العمري.
ليس لأنهما يحتاجان إلى إنصافنا، وإنما لأن الأردن هو الذي يحتاج إلى علمهما وخبرتهما.
فإذا كان الوطن يملك خبراء بهذه القيمة، فليس من الحكمة أن يبحث عن حلول لمشكلاته بعيدًا عنهم.
وإذا كان لدينا من يمتلك المعرفة والخبرة في تطوير المناهج والتعليم، فمن حق الأردن علينا أن نستفيد من هذه المعرفة.
لا نريد بعد سنوات أن نقول:
كان هنا ذوقان عبيدات… وكان هنا محمود المساد العمري… وكان الأردن يمتلك خبرات قادرة على تطوير التعليم، لكننا لم نمنحها المساحة التي تستحقها.
ذلك الكلام لن ينفع بعد فوات الأوان.
الإنصاف الحقيقي ليس كلمة تقال بعد الرحيل، وإنما فرصة تمنح في وقت العطاء.
والأردن يستحق أن يستفيد من كل عقل أردني مخلص، وكل خبير قادر، وكل صاحب تجربة ومعرفة.
فالرجال الكبار لا تُقاس قيمتهم بالمناصب التي شغلوها، وإنما بالأثر الذي تركوه في وطنهم.
والأردن اليوم بحاجة إلى أن يستفيد من أثر هؤلاء الرجال قبل أن يتحول العلم والخبرة إلى مجرد صفحات في ذاكرة الوطن
