وسط ظلال الحرب التي خيمت على شمال قطاع غزة، يرفض مزارعو بيت لاهيا الاستسلام للواقع القاسي الذي فرضه ما يعرف بالخط الاصفر، حيث لا تزال مساحات شاسعة من الاراضي الزراعية تعاني من اثار التجريف والدمار، لكن الاصرار البشري دفع هؤلاء المزارعين للعودة الى تربتهميش كل المخاطر والعودة لاحياء ارضهم التي كانت يوما ما سلة غذاء المنطقة، مظهرين قدرة فائقة على التكيف مع انعدام الامكانيات.

واضاف المزارعون ان العمل في الاراضي القريبة من نقاط التماس اصبح مغامرة يومية محفوفة بالمخاطر، حيث يضطرون للعمل تحت تهديد الرصاص والقصف، وبينوا انهم يعتمدون على ادواتهم البسيطة وقوة ارادتهم لاستعادة الحياة في التربة التي تعرضت للتجريف، موضحين ان المشهد تحول من جنة خضراء الى مساحات رملية قاحلة تحتاج الى جهود مضنية لاعادة تأهيلها من جديد.

واكد المزارع احمد طنبورة ان العودة للارض لم تكن سهلة، خاصة مع اختفاء معالم المزارع القديمة التي كانت تضم مشاتل ورود وحقولا متنوعة، واشار الى ان الصدمة كانت كبيرة عند رؤية الارض وقد تحولت الى ركام، مبينا ان اولويته كانت استعادة تماسك التربة قبل التفكير في اي محصول، وشدد على ان الدافع وراء هذا الجهد ليس الربح المادي فحسب، بل استعادة الانتماء للارض التي تعد جزءا من حياتهم.

معاناة البحث عن البذور

واوضح المزارعون ان منع ادخال البذور والمستلزمات الزراعية خلق فجوة كبيرة، حيث ارتفعت اسعار المتوفر منها بشكل جنوني، وكشفوا انهم اضطروا للتعامل مع تجار محليين بأسعار مرتفعة جدا، ومع ذلك فان جزءا كبيرا من البذور لم ينجح في الانبات بسبب تضرر التربة، واضافوا انهم لم ييأسوا واعادوا المحاولة مرات عديدة حتى بدأت بعض المحاصيل بالظهور.

وبين طنبورة انه نجح في زراعة محاصيل هجينة بعد معاناة طويلة في الحصول على بذورها، واشار الى انه لا يزال يختبر التربة لمعرفة المحاصيل التي يمكن ان تنجح في الظروف الحالية، واكد ان استمرار الزراعة رغم التكاليف الباهظة يعد انتصارا صغيرا في معركة البقاء، موضحا ان رؤية المحاصيل تنمو من جديد تمنحه شعورا بالانجاز رغم الخسائر المادية.

واظهرت الممارسة اليومية ان المزارعين اصبحوا اكثر ابتكارا في التعامل مع شح الموارد، واضافوا انهم بداوا بجمع بذور المحاصيل وتجفيفها لاستخدامها في المواسم القادمة، مبينا ان هذه الطريقة قللت من اعتمادهم على الاسواق الخارجية، وشدد على ان الحاجة اصبحت ام الاختراع في ظل غياب الظروف المثالية للعمل.

تحديات الري والمياه

وكشفت الجولات الميدانية ان غياب شبكات المياه اجبر المزارعين على ابتكار حلول بدائية، حيث يستخدم المزارع السبعيني ابو اسامة بركا صغيرة مبطنة بالشوادر لتجميع المياه، واضاف انه يحمل الدلو بنفسه لري المحاصيل شجرة تلو الاخرى، موضحا ان هذا المجهود البدني الشاق يحل محل انظمة الرش التي كانت تعمل بضغطة زر قبل الحرب.

وبين ابو اسامة انه يضطر لدفع مبالغ طائلة لتوفير الوقود اللازم لتشغيل مضخات المياه، مشيرا الى ان غياب الكهرباء والشبكات المركزية زاد من تعقيد العملية، واكد انه لا يزال يتذكر الايام التي كانت فيها الارض تروى دون عناء، موضحا ان ممارسة الزراعة منذ الطفولة جعلت الارتباط بالارض اقوى من كل التحديات التي يواجهها اليوم.

واضافت بلدية بيت لاهيا ان اكثر من 80% من الابار الزراعية تعرضت للتدمير او التخريب، واظهرت البيانات ان المزارعين نجحوا في اصلاح بئر تاريخية يعود عمرها لمئة عام بجهود ذاتية، موضحة ان شح الزيوت دفع الاهالي لاستخدام زيت الزيتون لتشغيل المضخات، وشددت على ان نسبة اصلاح الابار لا تزال محدودة جدا مقارنة بحجم الدمار.

انتاج محلي رغم الحصار

واضافت البلدية ان الجهود الجماعية نجحت في استصلاح نحو 900 دونم حتى الان، واشارت الى ان العمل جار على استصلاح 1200 دونم اضافية داخل المدينة، وبينت ان انشاء 450 حديقة منزلية ساهم في توفير جزء من الاحتياجات الغذائية الاساسية للاسر، موضحة ان نحو 729 مزارعا عادوا فعليا للعمل في هذه الاراضي.

وكشفت التقارير ان الانتاج المحلي بدأ يغطي جزءا من احتياجات السوق، واضافت ان ذلك ساهم في تخفيف حدة ارتفاع اسعار الخضروات التي كانت تستورد من الخارج، واكدت ان هذه المبادرات رغم تواضعها الا انها تمثل شريان حياة للسكان، مبينة ان الاعتماد على الذات اصبح استراتيجية اساسية للبقاء في ظل الظروف الصعبة.

واظهرت الاحصائيات ان قيمة الاضرار في القطاع الزراعي ببيت لاهيا تقدر بـ 30 مليون دولار، واضافت البلدية ان اعادة التأهيل الكامل تتطلب 40 مليون دولار، وشدد المزارعون في ختام حديثهم على ان الارض ليست مجرد ملكية، بل هي هوية ينتمون اليها، مؤكدين انهم سيستمرون في زراعتها مهما بلغت التحديات.