عاشت الاسيرة الفلسطينية دانا جودة تجربة ولادة لا يمكن لعقل ان يستوعب قسوتها، حيث وضعت طفلتها ليا وهي مكبلة اليدين والقدمين في سرير المستشفى، وتحت انظار جنود مدججين بالسلاح كانوا يوجهون فوهات بنادقهم نحوها ويطلقون صرخات مليئة بالحقد والتهديد. وكشفت الاسيرة المحررة ان معاناتها لم تبدأ لحظة الولادة فحسب، بل كانت فصلا طويلا من الاهمال الطبي والحرمان الذي رافقها منذ اعتقالها وهي حامل في شهرها الاول، وصولا الى وضعها في زنزانة مراقبة بالكاميرات على مدار الساعة دون مراعاة لظروفها الصحية الصعبة.

واوضحت دانا جودة في حديثها ان السجانين تعمدوا اذلالها خلال عملية الولادة القيصرية، حيث استمروا في توجيه الاهانات لها ووصفها بكلمات نابية، مما فاقم من تعقيدات الولادة التي تمت في ظروف غير انسانية. واضافت ان طفلتها ليا خرجت الى الحياة لتجد السجانين في استقبالها بدلا من دفء عائلتها، حيث تم انتزاعها من بين يدي والدتها فور ولادتها وسط صراخ السجانين بعبارات تحريضية، دون ان يسمحوا للام باحتضان مولودتها التي لم يتجاوز وزنها كيلوغرام ونصف.

وبينت الاسيرة ان معاناتها مع السجانين استمرت حتى بعد الولادة، حيث كانوا يفككون قيد يد واحدة فقط للسماح لها بارضاع طفلتها، معتبرة ان تلك اللحظات كانت مليئة بالقهر والالم النفسي الذي يفوق آلام الجسد. واكدت ان ممرضة فلسطينية بادرت بكسوة الطفلة بفستان زهري بسيط لسترها، الا ان جنود الاحتلال لم يتركوا لهما فرصة للراحة، اذ اقتحموا الغرفة بعد ساعات قليلة ليقتادوا الام معصوبة العينين الى شاحنة نقل الاسرى، مجبرين اياها على ترك طفلتها وحيدة في لحظات لا توصف.

اجبار الرضيعة على ارتداء زي السجن

وكشفت دانا جودة عن صدمتها الكبيرة عندما اكتشفت ان جنود الاحتلال انتزعوا الفستان الزهري عن طفلتها ليا، واستبدلوه ببدلة رمادية مشابهة لزي الاسرى، في مشهد يعكس مدى الوحشية الممنهجة التي تتبعها ادارة السجون. واضافت انها عاشت كوابيس مرعبة خلال نقلها، متسائلة بخوف عما سيفعله هؤلاء الجنود بطفلتها الرضيعة، وهل سيتم سجنها معها في غياهب المعتقلات.

وتابعت الاسيرة المحررة وصفها للحظات الافراج عنها، حيث اجبرها الجنود على السير وهي تحمل رضيعتها وكيس اغراضها، مهددين باطلاق النار عليها اذا توقفت لالتقاط انفاسها او تهدئة طفلتها الباكية. واكدت ان تلك اللحظات كانت اشبه برحلة الموت، حيث كانت تتعثر بخطواتها تحت وطاة الم الولادة واصوات صراخ الجنود عبر مكبرات الصوت على الحاجز، قبل ان تستقبلها عائلتها وتنقلها الى المستشفى لاكمال علاجها وعلاج طفلتها في قسم الخدج.

واظهرت الفحوصات الطبية ان الاسيرة دانا جودة تعاني ايضا من مرض الجرب الذي اصيبت به داخل المعتقل نتيجة ظروف الاعتقال غير الصحية، مما يضاف الى سجل الانتهاكات التي مارستها سلطات الاحتلال بحقها. واشار تقرير حقوقي الى ان هذه الممارسات ليست فردية، بل هي نهج منظم يهدف الى تحطيم نفسية الاسيرات، وسط صمت دولي مستمر تجاه معاناة النساء الفلسطينيات داخل السجون.

واقع الاسيرات في سجون الاحتلال

وبينت هيئة شؤون الاسرى والمحررين ان حالة دانا جودة ليست الوحيدة، حيث لا تزال هناك اسيرات اخريات يعانين من الحمل داخل السجون في ظروف قاسية، مما يضع المجتمع الدولي امام مسؤولياته القانونية والاخلاقية. واضافت الهيئة ان هذه الوحشية في التعامل مع النساء والرضع تثير تساؤلات جوهرية حول مدى استهتار الاحتلال بكافة المواثيق الدولية التي تحمي الاسرى والمدنيين.

واوضحت الاحصائيات الاخيرة ان عدد الاسرى الفلسطينيين في سجون الاحتلال تجاوز تسعة الاف اسير، بينهم عشرات النساء ومئات الاطفال، مما يعكس حجم الاعتقالات التعسفية والاعتقال الاداري الذي يمارس بحق الشعب الفلسطيني. وشددت على ان استمرار هذه الممارسات دون محاسبة يجعل من سجون الاحتلال مكانا لا يراعي ابسط حقوق الانسان او كرامة الامومة.

واكدت التقارير ان الاسيرات الفلسطينيات يواجهن واقعا مريرا يتسم بالحرمان من الرعاية الطبية، والعزل، والترهيب النفسي المستمر، مما يستدعي تدخلا عاجلا من المنظمات الحقوقية العالمية لضمان سلامتهن ووقف مسلسل الانتهاكات الممنهجة التي يتعرضن لها يوميا.