يبدأ رمضان يعقوب غبان يومه في قطاع غزة ليس على وقع رنين جرس المدرسة أو استعدادا لدرس جديد بل على أصوات الرياح التي تضرب خيمته المتهالكة على شاطئ النصيرات. يبلغ الصبي من العمر اثني عشر عاما لكن الحرب سلبته براءته وأجبرته على الانخراط في رحلة بحث يومية عن قطع الخشب والبلاستيك لإيقاد نار صغيرة تكفي لغلي بعض الماء وإعداد الشاي لعائلته التي فقدت كل شيء. كشفت تفاصيل حياة هذا الطفل عن حجم المأساة التي يعيشها النازحون في القطاع بعد أن اضطر للنزوح مع أسرته من بيت لاهيا تاركا خلفه منزلا كان يضم ذكريات طفولته قبل أن يستشهد والده تحت الأنقاض وتصبح الخيمة هي المأوى الوحيد له ولأشقائه.
وأوضح رمضان أنه يقضي ساعات نهاره في العمل بمقهى صغير يقع قرب الشاطئ حيث يبدأ نشاطه منذ الصباح الباكر بتنظيف المكان وترتيب الكراسي وجمع القمامة وتسوية الرمال مقابل أجر زهيد لا يتجاوز عشرة شواكل. وشدد الصبي على أن هذا المبلغ الضئيل الذي لا يكاد يشتري رغيف خبز وقطعة جبن يعكس التضخم الجنوني وغلاء المعيشة الذي فرضته ظروف الحرب القاسية على سكان غزة الذين يعانون من شح الموارد وانقطاع أبسط مقومات الحياة.
وبين رمضان أن قلقه لا ينتهي عند حدود تأمين لقمة العيش بل يمتد ليشمل الخوف الدائم من أن يصبح المقهى أو الطريق الذي يسلكه هدفا للقصف في أي لحظة. وأضاف أن مسؤوليته تجاه شقيقاته الصغيرات هي الدافع الوحيد لصبره وتحمله هذا العمل الشاق حيث يضطر للعمل حتى ساعات الليل المتأخرة لتوفير ثمن الطعام وتجنب رؤية دموعهن التي تنهمر حين يغيب القوت اليومي عن مائدتهم المتواضعة.
تحديات البقاء وذاكرة الجوع
وكشف الصبي عن معاناته اليومية مع الحصول على مياه الشرب حيث يضطر لترك عمله عند وصول شاحنة المياه ليشارك في تعبئة العبوات وجرها بعربة بدائية عبر الرمال. وأكد أن هذه المهمة الشاقة تزداد صعوبة مع تهالك الأوعية التي تعرضت للتلف بفعل الجرذان في ظل غياب أدوات بديلة أو إمكانيات للإصلاح مما يفاقم من أزمته المعيشية وسط بيئة تفتقر لأدنى معايير الصحة والنظافة.
وأظهرت ذكريات رمضان حنينا عميقا لأيام الدراسة التي توقفت منذ اندلاع الحرب حيث يتذكر فصوله وأصدقاءه ودروس اللغة العربية التي كانت هوايته المفضلة. وأضاف أن الخوف من قدوم فصل الشتاء يسيطر على تفكيره إذ يخشى أن تنهار الخيام التي تأويهم بفعل الأمطار والرياح العاتية وهو ما يجعله يعيش في حالة استنفار دائم لحماية ما تبقى من أغراضه البسيطة.
وذكر الصبي فترات الجوع القاسية التي مرت عليه وعلى عائلته حيث قضى أياما طويلة دون طعام يذكر. وأوضح أنه شهد تدافع الناس على أكياس الطحين في نقاط المساعدات وسط إطلاق النار وهو مشهد محفور في ذاكرته ولا يغيب عن مخيلته حين يحاول النوم في خيمته المظلمة بعيدا عن دفء منزله القديم.
أحلام طفولية معلقة تحت القصف
وبين رمضان أنه رغم كل هذا الألم يحاول اقتناص لحظات بسيطة للسباحة في البحر التي تعلمها بنفسه للترويح عن نفسه قليلا. وأضاف أنه توقف نهائيا عن صنع الطائرات الورقية بعد أن رأى بأم عينيه أطفالا يقصفون أثناء لهوهم بها في السماء وهو ما جعله يدرك أن حتى أبسط متع الطفولة أصبحت تشكل خطرا مميتا في غزة.
وأكد الصبي أن طموحاته تتجاوز عمره الصغير إذ يحلم بأن يصبح طبيبا أو محاميا أو منقذا ليساعد الناس في المستقبل. وأضاف أن رغبته الكبرى ليست في الحصول على ألعاب أو هدايا بل في أن تتوقف الحرب بشكل نهائي ليتمكن من العودة إلى مقاعد الدراسة والجلوس بين كتبه التي يحبها بعيدا عن ضجيج القصف وأوجاع النزوح.
وختم رمضان حديثه بأن أقصى أمانيه هي أن تعود عائلته إلى منزلها وأن تبدأ عملية إعادة بناء الحياة التي فقدها في لحظة. وأوضح أن طفولته التي ضاعت بين الرمال والعمل الشاق ستظل شاهدة على جيل كامل دفع ثمن الصراعات السياسية والعسكرية من عمره وأحلامه التي لا تزال معلقة في انتظار مستقبل أكثر أمنا واستقرارا.
