يقف الفنان والحكواتي المقدسي حسام ابو عيشة على بعد امتار معدودة من سور المسجد الاقصى المبارك في حارة السعدية بالبلدة القديمة ليجد نفسه محاصرا بقرارات عسكرية تحول خطواته البسيطة الى ما يشبه التسلل المحظور. كشفت هذه القيود عن واقع مرير يعيشه الفنان الذي تجاوز الثامنة والستين من عمره حيث بات مجرد النزول على درجات منزله الاولى يضعه تحت طائلة التهديد بتجديد قرار ابعاده عن محيط المسجد لمدة ستة اشهر اضافية.
واظهرت الخرائط العسكرية التي فرضتها سلطات الاحتلال نطاقا جغرافيا يحظر على ابو عيشة التواجد ضمنه ويشمل كافة الازقة المؤدية الى بوابات المسجد الاقصى الرئيسية مثل باب الغوانمة وباب القطانين وباب الاسباط. واكد الفنان ان هذا المنع جاء بقرار عسكري تعسفي لا يستند الى اي مسوغ قانوني منطقي بل يعتمد على سياسة التضييق الممنهج التي تهدف الى تفريغ محيط المسجد من رواده الاصليين الذين ارتبطت حياتهم بساحاته منذ عقود طويلة.
وبين ابو عيشة ان حياته تحولت الى ما يشبه الكوميديا السوداء حيث اصبحت الازقة القديمة مقسمة بحدود وهمية تشبه في تعقيدها الحدود السياسية بين الدول. واضاف موضحا ان اي تجاوز غير مقصود لهذه الخطوط المرسومة يعني تعرضه لملاحقة قانونية فورية مما يجعله سجينا داخل جدران منزله الذي لم يعد ملاذا امنا للحركة الطبيعية في قلب مدينته التي ولد وعاش فيها.
واقع التضييق والابعاد القسري
واشار الفنان المقدسي الى ان تاثير هذه القرارات لم يقتصر على حرمانه من اداء الصلوات والعبادات في المسجد الاقصى بل امتد ليشمل عزله تماما عن نسيجه الاجتماعي اليومي. واكد ان طقوسه المعتادة في التجول بين اسواق القدس التاريخية وتبادل الاحاديث مع جيرانه واصدقائه اصبحت جزءا من الماضي الممنوع بفعل هذه القرارات الادارية التي تفتقر الى ابسط مقومات العدالة القضائية.
واوضح ان سياسة الابعاد الممنهجة التي تتبعها السلطات باتت تطال اعدادا متزايدة من المقدسيين بشكل يومي. وشدد على ان هذه الاجراءات تهدف في جوهرها الى كسر ارادة الصمود لدى سكان البلدة القديمة من خلال تقييد حركتهم وفصلهم عن معالم مدينتهم الدينية والاجتماعية التي شكلت هويتهم على مدار سنوات طويلة.
واضاف ابو عيشة بنبرة ساخرة من واقع الحال ان استمرار هذه السياسات قد يؤدي الى تحويل القدس الى مدينة من المبعدين. مبينا ان اعداد الصادر بحقهم قرارات ابعاد منذ مطلع العام الجاري وصلت الى مستويات قياسية تقترب من تسعمائة حالة وهو ما يعكس حجم الاستهداف المباشر للوجود الفلسطيني في محيط المسجد الاقصى.
الصمود في وجه القرارات العسكرية
واكد الفنان ان كل هذه الضغوط والقرارات الجائرة لن تنال من عزيمته او ارتباطه بارضه. واضاف ان المقدسيين يمتلكون قدرة فريدة على التكيف والصمود في وجه التحديات مهما بلغت قسوتها. واوضح ان الرباط في ازقة القدس والتمسك بالبقاء في البيوت الملاصقة للاقصى يمثل بحد ذاته رسالة قوية تتجاوز في اثرها كل التهديدات العسكرية.
وبين ان هذه المرحلة من التضييق ستعبر كما عبرت غيرها من المحن التي واجهت المدينة المقدسة عبر تاريخها الطويل. واكد ان الحكواتي الذي كان يروي قصص القدس للاجيال اصبح اليوم هو القصة التي تجسد واقع التحدي والاصرار على البقاء رغم الحصار المطبق الذي تفرضه قوة الاحتلال على ابسط تفاصيل الحياة اليومية للمقدسيين.
واختتم ابو عيشة حديثه بالتشديد على ان ارتباطه بالاقصى ليس مجرد عادة بل هو جزء لا يتجزأ من كيانه وهويته. واضاف ان الامل لا يزال حاضرا في قلوب سكان البلدة القديمة الذين يرفضون الانصياع لقرارات الابعاد ويتمسكون بحقهم في الوصول الى مسجدهم والتجول في اسواق مدينتهم بكل حرية وكرامة.
