يواجه الشباب الفلسطيني في مدينة القدس تحديات وجودية خانقة بسبب تفاقم ازمة السكن التي باتت تهدد استقرارهم الاسري وبقاءهم داخل المدينة. وتتجلى هذه الازمة في ارتفاع جنوني لاسعار الشقق التي تصل ارقامها الى مستويات قياسية تتجاوز مئات الاف الدولارات، بالتوازي مع ايجارات شهرية تستنزف معظم دخل الاسر الفلسطينية، مما يجعل حلم امتلاك منزل ضربا من الخيال للكثيرين.

وكشف مواطنون مقدسيون انهم باتوا امام خيارات مريرة، اما الاقامة المكتظة في منازل العائلة او البحث عن مساكن خارج حدود المدينة، وهو ما يفرضه الواقع المعيشي الصعب. واظهرت المعاناة اليومية للشاب مجاهد بدران نموذجا حيا لهذه الماساة، حيث يعيش مع اسرته في منزل والده بعد ان فقد منزله الخاص نتيجة عمليات الهدم التي تلاحق البناء الفلسطيني بحجة عدم وجود تراخيص.

واكد بدران ان دخله الشهري لا يكفي لتغطية ايجار شقة عادية، مشيرا الى ان اسعار العقارات في القدس قفزت الى مستويات خيالية تتراوح بين نصف مليون الى قرابة المليون دولار للشقة الواحدة. واضاف ان هذه الضغوط المالية لا تتوقف عند حدود السكن، بل تمتد لتشمل تكاليف المعيشة اليومية والتعليم، مما يجعله في حالة قلق دائم على مستقبل اطفاله في ظل التهديدات المستمرة بهدم منازل ذويه ايضا.

قيود التخطيط وتحديات التوسع العمراني

وبين الباحث في الشان المقدسي راسم عبيدات ان المشكلة اعمق من كونها مجرد ارتفاع في الاسعار، فهي مرتبطة بسياسات ممنهجة تضيق الخناق على التوسع العمراني الفلسطيني. واوضح ان الحصول على ترخيص بناء في القدس اصبح عملية معقدة وطويلة تمتد لسنوات، مما يدفع الكثيرين للبناء بدون ترخيص، وهو ما يعرضهم لاحقا لغرامات طائلة وقرارات هدم تعسفية.

واشار عبيدات الى ان التقارير الدولية تؤكد وجود فجوة كبيرة في التخطيط، حيث يتم حصر الفلسطينيين في مساحات ضيقة بينما تفرض قيود مشددة على استغلال الاراضي. واضاف ان تصنيف الاراضي كمناطق خضراء او محميات يقلص الخيارات المتاحة امام الازواج الشابة، مما يفاقم ظاهرة الاكتظاظ السكاني ويجبر العائلات على دفع مبالغ طائلة للعيش في ظروف غير مستقرة.

واوضحت المعطيات الميدانية ان مسلسل هدم المنازل لا يزال مستمرا بوتيرة متسارعة، حيث سجلت مئات المنشات الفلسطينية التي سويت بالارض منذ بداية العام الجاري. وشدد عبيدات على ان هذه السياسات تهدف في جوهرها الى دفع المقدسيين نحو النزوح القسري خارج المدينة، مما يغير التركيبة السكانية ويضعف الصمود الاجتماعي للاهالي الذين يتمسكون ببيوتهم رغم كل الضغوط الاقتصادية والسياسية.