في مشهد يعكس ارادة لا تلين، يجتمع ثلة من اطفال غزة في مدينة دير البلح حول طاولة بسيطة تضم اسلاكا معدودة وقطع الكترونية متواضعة، وذلك في محاولة منهم لاستكشاف عالم الروبوتات المعقد رغم قسوة الظروف المحيطة. هؤلاء الطلاب يشاركون في مشروع الجيل القادم لمهندس الروبوتات الصاعد، حيث يتعلمون دمج الحساسات في انظمة الانذار وفهم آليات عمل المحركات ووحدات الدفع بشكل عملي ومباشر.

واكد المشاركون ان ابحاثهم التي يجري تطويرها قد تشكل طوق نجاة في المستقبل، حيث يسعون لابتكار انظمة انذار مبكر للكشف عن تسرب الغاز والحرائق، او مساعدة فرق الانقاذ في الوصول الى المناطق الوعرة والعالقين تحت الركام. واوضح الطلاب ان هذه الدروس العلمية لا تقتصر على الجانب النظري، بل تمنحهم فرصة لمواكبة الطفرات التكنولوجية العالمية رغم الحصار والدمار الذي طال البنية التحتية التعليمية.

وكشفت التجارب الميدانية ان شغف هؤلاء الاطفال يمثل الدرع الواقي لطموحاتهم، اذ يصرون على صون مهاراتهم التقنية على امل ان تسهم في خدمة مجتمعهم فور توقف القصف، محولين ادواتهم البسيطة الى ادوات للابتكار والتطوير.

التعلم في ظروف قاهرة

وبين حمزة الاطرش، وهو احد طلاب المشروع، انه يعتمد على لوحات اردوينو القابلة للبرمجة لربط المستشعرات وتطوير نماذج روبوتية، مشيرا الى ان نقص المعدات والانقطاع الدائم للتيار الكهربائي يشكل تحديا جسيما لا يثنيهم عن مواصلة التعلم. واضاف حمزة انهم يحاولون استغلال كل فرصة متاحة لصقل مواهبهم، مؤكدا ان غياب الامكانيات يدفعهم للبحث عن حلول ابداعية والاستفادة القصوى مما هو متاح بين ايديهم.

وذكر بهاء المصري، رئيس فريق التدريب، ان الحاضنات التكنولوجية التي كانت تعمل قبل الحرب كانت تمثل بيئة خصبة للمبتكرين، الا ان تدميرها جعل الحصول على المعدات امرا شبه مستحيل. واكد المصري ان لديهم جيلا يمتلك موهبة حقيقية، وبحاجة ماسة الى بيئة حاضنة تساعدهم على تحويل افكارهم الى مشاريع واقعية تخدم مستقبل القطاع.

واوضح ان المدربين يواصلون عملهم رغم المخاطر والعوائق، ايمانا منهم بان هؤلاء الطلاب هم النواة الحقيقية للنهوض التكنولوجي في غزة، وان استمرار التعليم يعد معركة وجودية تتطلب دعما مستمرا لضمان عدم ضياع هذه الخبرات.

قطاع التكنولوجيا في مهب الريح

واكد احمد ابو قمر، الخبير الاقتصادي، ان قطاع تكنولوجيا المعلومات كان قبل الحرب من اكثر القطاعات الواعدة ومصدرا رئيسيا للعملة الصعبة، حيث كانت معظم انشطته موجهة للاسواق الخارجية. واضاف ان هذا القطاع يعمل حاليا باقل من ربع طاقته السابقة، مع توقف الغالبية العظمى من الشركات عن العمل نتيجة الدمار الهائل وارتفاع اسعار المعدات بنسب قياسية تتجاوز الستمئة بالمئة.

واشار ابو قمر الى ان فقدان البنية التحتية الرقمية وهجرة الكفاءات تسببا في شلل واسع، حيث خسر الاف المتخصصين وظائفهم في ظل معدلات بطالة وفقر غير مسبوقة. واظهرت التقديرات ان اعادة احياء هذا القطاع تتطلب جهودا جبارة تتجاوز مجرد توفير الاجهزة، لتصل الى ضرورة تأمين استقرار الشبكات والكهرباء.

وبين عبد الله الطهراوي، الخبير في التكنولوجيا الرقمية، ان التحدي الحقيقي يكمن في نزيف العقول، اذ غادر القطاع اكثر من ثمانين بالمئة من الكفاءات والمهنيين ذوي الخبرة العالية. واكد الطهراوي ان مستقبل غزة مرتبط بشكل وثيق بقدرتها على استعادة هذه العقول وتطوير بيئة العمل من جديد، مشددا على ان التحديات الراهنة تفرض واقعا جديدا يتطلب استراتيجيات عمل مختلفة تماما عن السابق.