كشفت تحليلات سياسية حديثة عن وجود بنية معقدة داخل الضفة الغربية تعمل كذراع رمادية للمؤسسة العسكرية الاسرائيلية، حيث توثق تقارير دولية نمطا متصاعدا من اعتداءات المستوطنين التي تتم تحت غطاء وحماية الجيش، مما يشير الى تحول جذري في استراتيجية السيطرة على الاراضي الفلسطينية. واظهرت ارقام مكتب الامم المتحدة لتنسيق الشؤون الانسانية تسجيل اكثر من 1600 هجوم للمستوطنين خلال العام الجاري، بمتوسط يومي غير مسبوق يعكس حالة من التماهي الميداني بين القوات النظامية والمليشيات الاستيطانية. واوضح خبراء في علم الاجتماع السياسي ان ما يحدث ليس مجرد تقاعس امني، بل هو تشكيل لما يمكن تسميته بجيش الضبط الذي يعمل على تنفيذ مشروع الضم الزاحف بعيدا عن القنوات الرسمية المعلنة.
انقسام وظيفي داخل المؤسسة العسكرية
وبينت دراسات اكاديمية انقساما عمليا في الضفة الغربية، حيث تنشط قوة هجينة تضم وحدات عسكرية نظامية وحرس حدود ومليشيات مسلحة من المستوطنين ضمن وحدات الدفاع الاقليمي. واضاف الباحثون ان حدود السلطة بين الجيش والمستوطنين تلاشت الى حد كبير، نظرا لتداخل العلاقات الاجتماعية والعقائدية التي جعلت الجنود يتلقون توجيهات ميدانية من مسؤولي الامن في المستوطنات او حتى من فتاوى حاخامية. واكدت هذه التحليلات ان النتيجة هي قوة شبه مستقلة عن هيئة الاركان، تتبنى نهجا يغض الطرف عن البؤر الاستيطانية غير القانونية وتتعمد التباطؤ في حماية التجمعات الفلسطينية كجزء من منطق وظيفي ممنهج.
استراتيجية الذراع الرمادية للسيطرة
واشارت تقارير متخصصة الى ان هذه المنظومة تؤدي وظيفة حيوية للدولة تتمثل في تهجير الفلسطينيين وتقليص فرص قيام كيان سياسي قابل للحياة، مستغلة المسافة الفاصلة بين الاوامر الرسمية والممارسات الميدانية. وشدد المراقبون على ان الوقوف موقف المتفرج اثناء الاعتداءات اصبح اداة استراتيجية لخدمة مشروع الضم، حيث يتم السماح بوقائع على الارض تجعل من الصعب التراجع عنها لاحقا. واضافت المعطيات ان وتيرة هذا التداخل تسارعت بشكل كبير بعد احداث اكتوبر، مع توسع عمليات تسليح المستوطنين ودمجهم الكامل في العمليات العسكرية المشتركة التي ادت الى تهجير عشرات التجمعات الفلسطينية بالكامل.
عقيدة الامن الدائم والسيطرة
واوضح المحللون ان محاولات بعض القادة العسكريين ضبط عنف المستوطنين لا تعني معارضة مشروع الاستيطان، بل تهدف الى منع انفلات الامور بما يهدد النظام العام الذي يفضله الجيش. وبينت القراءات السياسية ان هذا النهج يندرج تحت ما يعرف بعقيدة الامن الدائم، التي تسعى الى ازالة التهديدات المستقبلية عبر التوسع العسكري والسيطرة الجغرافية المطلقة. واكد الباحثون ان هذه العقيدة لم تعد حكرا على اليمين الديني، بل اصبحت جزءا من تفكير القيادات العسكرية العلمانية التي تبرر هذه الممارسات بمنطق استراتيجي، مما يجعل من الصعب فصل ما تفعله الدولة رسميا عما ينجزه المستوطنون على الارض.
