تصاعدت وتيرة الاقتحامات الجماعية لباحات المسجد الاقصى بشكل لافت خلال الساعات الماضية، حيث سجل دخول اكثر من الف وسبعمائة مستوطن تحت غطاء من حماية الشرطة الاسرائيلية، وسط مخاوف حقيقية من ان تتحول هذه الممارسات الى ذريعة لفرض تقسيم زماني ومكاني دائم للمقدسات الاسلامية، وهو ما يراه مراقبون جزءا من توجه سياسي اسرائيلي عام يهدف الى تغيير الوضع القائم في القدس المحتلة.

وكشف الباحث في شؤون الاستيطان علاء محاجنة ان ما يثير القلق العميق ليس فقط حجم الاقتحامات، بل طبيعة الطقوس التلمودية التي يتم ممارستها علنا داخل باحات المسجد، وهي ممارسات كانت في السابق تصطدم برفض تيارات يهودية، الا انها اليوم تحظى بدعم حكومي وتسهيلات غير مسبوقة تهدف الى التمهيد لما يسمى بناء هيكل سليمان على انقاض الاقصى.

واظهرت التطورات الميدانية ان هذه التحركات تتزامن مع اجراءات تضييق خانقة على الفلسطينيين في محيط البلدة القديمة، حيث قامت سلطات الاحتلال باغلاق الشوارع والمفارق الحيوية لضمان تحركات المستوطنين، بالتوازي مع اغلاق الحرم الابراهيمي في الخليل ومنع رفع الاذان، في خطوة يرى فيها الخبراء محاكاة لسيناريوهات سابقة تهدف الى تفريغ المدن من سكانها الاصليين.

خطر التقسيم الزماني والمكاني

وبين الخبير في الشؤون الاسرائيلية مهند مصطفى ان الخطر الاكبر يكمن في منح هذه الممارسات غطاء قانونيا وسياسيا، مما يعزز من فرص تثبيت واقع جديد يمنح اليهود حقوقا دينية داخل الاقصى، مؤكدا ان الجمعيات المتطرفة التي كانت تعتبر هامشية قبل عقود اصبحت اليوم في قلب القرار السياسي وتتلقى تمويلا حكوميا مباشرا لتنفيذ مخططاتها.

واكد وزير الامن القومي الاسرائيلي ايتمار بن غفير خلال مشاركته في الاقتحامات الاخيرة ان هذه الخطوات تاتي ضمن استراتيجية اوسع، مصرحا بانهم اصحاب المكان في الاقصى وفي السجون، وهو ما يعكس تبني الحكومة الاسرائيلية الحالية لسياسات متطرفة تهدف الى احكام السيطرة الكاملة على المقدسات الاسلامية وتحويل حياة الفلسطينيين الى جحيم دائم.

واضاف الخبير عادل شديد ان جماعات الهيكل تسعى لتنفيذ مخطط تدريجي يبدأ من تنظيم الساعات واللباس الديني وصولا الى فرض السيادة الكاملة، مشيرا الى ان هذا المسار يلقى دعما من اعلى المستويات السياسية في اسرائيل، حيث لم يعد صمت نتنياهو تجاه تجاوزات بن غفير مجرد مناورة، بل اصبح تعبيرا عن قبول ضمني لسياسة فرض الامر الواقع.

مرجعيات التحرك الاستيطاني

واوضح مدير مكتب هيئة مقاومة الجدار والاستيطان صلاح الخواجا ان هذه السياسات تنطلق مما يسمى خطة الحسم التي يتبناها وزراء متطرفون، والتي تعتبر الضفة الغربية والقدس اراضي يهودية خالصة، وتسعى الى الغاء اي وجود فلسطيني فيها عبر التهجير القسري والضغط الممنهج على السكان المحليين.

واشار محاجنة الى وجود انقسام داخل التيار الصهيوني الديني حول شرعية الاقتحامات، حيث لا تزال الحاخامية الرسمية تلتزم بفتوى تحرم دخول الاقصى، الا ان جماعات الهيكل التي يقودها بن غفير ترفض هذه الفتاوى وتصر على تسريع الخطوات العملية لفرض السيادة اليهودية على المسجد المبارك.

وخلص الخبراء الى ان مواجهة هذا المخطط تتطلب استراتيجية فلسطينية وعربية ودولية موحدة، تتجاوز بيانات الاستنكار الى اتخاذ خطوات عملية وقانونية تفرض عقوبات على الاحتلال، وتفضح انتهاكاته المستمرة لحرية العبادة والقانون الدولي، مع ضرورة التحرك العاجل لحماية الهوية الاسلامية للقدس قبل فوات الاوان.