تشهد العلاقات بين اسرائيل وعدد من العواصم الاوروبية حالة من التوتر المتصاعد على خلفية التوسع الاستيطاني المتسارع في الضفة الغربية وما يرافقه من عنف يمارسه المستوطنون ضد الفلسطينيين. وبدات الدول الاوروبية في اتخاذ خطوات عملية تتجاوز لغة الادانة الدبلوماسية لتشمل فرض قيود على منتجات المستوطنات وعقوبات على كيانات وافراد مرتبطين بها. في حين قابلت تل ابيب هذه التحركات باجراءات دبلوماسية مضادة شملت استدعاء دبلوماسيين واغلاق قنصليات.

واضاف وزير الخارجية البريطاني اد ميليباند في موقف لافت واكثر حدة ان ما يقوم به المستوطنون في الضفة الغربية يرقى الى مستوى التطهير العرقي. وشدد على ان بلاده تدين بشدة من وصفهم بالمستوطنين الارهابيين مؤكدا ان بريطانيا ملتزمة بحماية حل الدولتين ولن تسمح لاي طرف بتقويضه او الغاء فرصه على ارض الواقع.

وبينت التحركات الاوروبية الاخيرة وجود تنسيق غير مسبوق في الضغط على الحكومة الاسرائيلية اذ قررت هولندا حظر استيراد كافة المنتجات المصنعة داخل المستوطنات. واوضحت وزيرة الشباب والطفولة الاسبانية سيرا ريغو ضرورة اتخاذ خطوات جذرية تصل الى قطع العلاقات الدبلوماسية والتجارية مع اسرائيل وتعليق اتفاقية الشراكة القائمة مع الاتحاد الاوروبي.

اجراءات عقابية متبادلة وتوتر دبلوماسي

وكشفت تقارير عن تحول الضغوط السياسية الى اجراءات اقتصادية ملموسة حيث فرضت فرنسا وبريطانيا وهولندا قيودا صارمة على دخول بضائع المستوطنات الى اسواقها. واظهرت المؤشرات اقتراب كل من الدنمارك والنرويج من الانضمام الى هذه القائمة من الدول التي تفرض عقوبات تستهدف الشركات المتعاملة مع التجمعات الاستيطانية في الاراضي المحتلة.

واكدت مصادر دبلوماسية ان الخارجية الاسرائيلية استدعت القائمة باعمال السفارة الاسبانية لجلسة توبيخ رسمية ردا على التصريحات المناهضة للاستيطان. واوضحت تل ابيب ان هذه المواقف تعد جزءا من سياسة ممنهجة تتبناها بعض الحكومات الاوروبية للضغط على الموقف الاسرائيلي في قضايا جوهرية.

واضافت السلطات الاسرائيلية خطوات تصعيدية اخرى تمثلت في الغاء الوضع الدبلوماسي لممثلين هولنديين يعملون في رام الله ردا على العقوبات الاقتصادية. وسبق ذلك قيام اسرائيل باغلاق القنصلية البريطانية في القدس الشرقية في اعقاب اعلان لندن حظر دخول منتجات المستوطنات الى اسواقها.

تصاعد الانتهاكات الميدانية في الضفة الغربية

وبينت معطيات هيئة مقاومة الجدار والاستيطان ان وتيرة الاعتداءات الاسرائيلية شهدت ارتفاعا قياسيا خلال الشهر الماضي. وذكرت الهيئة ان الجيش الاسرائيلي والمستوطنين نفذوا اكثر من الفي اعتداء ضد الفلسطينيين وممتلكاتهم في مناطق متفرقة من الضفة الغربية.

واوضحت التقارير الميدانية ان محافظة نابلس سجلت اعلى معدل للاعتداءات تلتها رام الله والبيرة ثم الخليل وبيت لحم. واكدت الهيئة ان هذه الانتهاكات شملت الاستيلاء على مساحات شاسعة من الاراضي الفلسطينية وتنفيذ عمليات هدم واسعة طالت عشرات المنازل والمنشات الحيوية.

واضافت الهيئة ان السيطرة الاسرائيلية على الضفة الغربية باتت تطال نحو 42 بالمئة من المساحة الاجمالية تحت مسميات عسكرية او تصنيفات لاراضي الدولة والشوارع الالتفافية التي تخدم المستوطنين.

مخطط اي 1 ومخاطر تقويض حل الدولتين

وكشفت تقارير دولية ان مخطط اي 1 الاستيطاني يمثل التهديد الاكبر لمستقبل حل الدولتين. واوضحت الامم المتحدة ان تنفيذ هذا المشروع يعني فعليا فصل شمال الضفة الغربية عن جنوبها وتقطيع اوصال المناطق الفلسطينية بشكل نهائي.

واشار مسؤولون امميون الى ان مخيمات مثل جنين ونور شمس وطولكرم شهدت موجات نزوح جماعي غير مسبوقة منذ عام 1967. واكدت البيانات ان نحو 33 الف شخص اضطروا لترك منازلهم بسبب العمليات العسكرية المستمرة والضغوط الامنية.

واضاف الخبراء ان هذا الوضع الميداني يعقد الجهود الدولية الرامية لاحياء مسار السلام ويجعل من فكرة قيام دولة فلسطينية متصلة جغرافيا امرا بالغ الصعوبة في ظل التوسع العمراني الاستيطاني.

تغير الموقف البريطاني وديناميكيات الرأي العام

واكد الدكتور محمد الشرقاوي استاذ تسوية الصراعات ان التحول في الموقف البريطاني يعكس نظرة تصحيحية تجاه السلوك الاسرائيلي. وبين ان هناك قناعة متزايدة في لندن بان ممارسات المستوطنين واليمين المتطرف تجاوزت الخطوط الحمراء وباتت توصف عالميا كنوع من الارهاب.

واضاف الشرقاوي ان تداعيات الاحداث الاخيرة غيرت طريقة تعامل العواصم الغربية مع ملف الاحتلال. وشدد على ان الرسالة البريطانية باتت واضحة بضرورة احتواء المد الاستيطاني بدلا من منح المستوطنين حرية الحركة والاعتداء دون رادع.

واوضح ان الضغوط الداخلية في بريطانيا وتنافس الاحزاب اضافة الى نشاط المجتمع المدني جعل من القضية الفلسطينية ملفا يهم الرأي العام وليس فقط النخب السياسية. وكشفت التطورات ان قدرة اسرائيل على تسويق سردية الضحية تراجعت بشكل كبير مع انتشار وسائل التواصل الاجتماعي التي تنقل الوقائع الميدانية للجمهور الاوروبي مباشرة.