لا تزال مأساة عائلة جمال الدرة تتصدر المشهد الإنساني في غزة، حيث لم يتوقف مسلسل الفقد منذ استشهاد الطفل محمد الدرة في بداية انتفاضة الأقصى. أظهرت التطورات الأخيرة أن المعاناة التي بدأت قبل سنوات طويلة لم تكن سوى فصل من فصول الألم المستمر، والذي تفاقم بشكل مروع خلال الحرب الراهنة التي طالت كل تفاصيل حياة العائلة. كشفت الظروف الراهنة أن جيش الاحتلال لم يكتفِ بما فعله سابقا، بل واصل استهداف أفراد العائلة وممتلكاتهم بشكل مباشر، مما أدى إلى تدمير منازلهم وتحويل حياتهم إلى رحلة نزوح دائمة.
واكد جمال الدرة أن ما حدث لابنه محمد لا يزال حيا في ذاكرته كأنه وقع اليوم، مبينا أن الإصابات التي تعرض لها في جسده لم تشفَ تماما، وهي تذكره دائما بتلك اللحظات القاسية. وأضاف أن الحرب الحالية أعادت فتح الجراح القديمة، حيث فقد ابنا آخر هو أحمد، بينما تعرض ابنه محمود لإصابة بليغة أدت إلى بتر قدمه، وسط ظروف معيشية بالغة الصعوبة نتيجة تدمير منزل العائلة في مخيم البريج.
وبين الأب أن فقدان أكثر من 80 فردا من عائلته وجيرانه في مجازر متفرقة خلال الأشهر الماضية، ضاعف من حجم المأساة التي تعيشها الأسرة. وشدد على أن النزوح المتكرر الذي خاضته العائلة لأكثر من 6 مرات بين مختلف مناطق القطاع، لم يوفر لهم الأمان المنشود، بل زاد من معاناتهم في ظل انعدام أبسط مقومات الحياة من مياه وكهرباء وغذاء.
واقع مرير تحت الانقاض
واوضح محمود الدرة، نجل جمال، أنه تعرض للاعتقال والتنكيل على يد قوات الاحتلال أثناء محاولته تأمين الحطب للطهي، حيث تعرض لتعذيب وحشي أدى إلى إصابته بجروح بليغة. واشار إلى أن الجنود تعمدوا التنكيل به لمعرفتهم بهويته كشقيق للشهيد محمد الدرة، مبينا أنهم قاموا بسكب سوائل على جرحه وتهديده بالقتل قبل الإفراج عنه لاحقا لتنتهي رحلة علاجه ببتر ساقه في المستشفى.
واكد محمود أنه يعيش اليوم حالة من العجز داخل ما تبقى من منزله المدمر، حيث يفتقد القدرة على ممارسة حياته الطبيعية أو مساعدة والده في تلبية احتياجات الأسرة. وأضاف أن الحلم الوحيد الذي يراوده هو الحصول على فرصة للعلاج خارج القطاع، بعد أن فشلت كل محاولات إنقاذ ساقه في المستشفيات المحلية التي تعاني من نقص حاد في الإمكانات الطبية.
وذكر جمال الدرة أن العائلة تقيم حاليا في أجزاء من المنزل المهدم، وسط مخاطر مستمرة من انهيار الجدران المتصدعة بفعل الغارات. وبين أن هذه الظروف تجعل حياة أفراد الأسرة المتبقين في خطر دائم، مؤكدا أن الصمود وسط الركام هو الخيار الوحيد المتاح أمامهم في ظل غياب أي بديل سكني آمن أو أفق لانتهاء الحرب.
ذاكرة لا تنطفئ
واكد جمال أن كل طفل يراه في غزة يعيد إليه صورة ابنه محمد، مشيرا إلى أن أحلام محمد التي لم تكتمل كانت تمثل طموح جيل كامل من أطفال فلسطين. وأضاف أن مشاهد الأطفال الذين يقتلون يوميا في غزة هي استمرار لنفس النهج الذي واجهه ابنه، مما يجعل الألم يتجدد في قلبه مع كل لحظة تمر عليه.
وبين الأب أن رحلة النزوح التي تنقلت فيها الأسرة بين المدارس ومناطق وسط القطاع ثم رفح، كانت مليئة بالخوف والترقب. وشدد على أن أمله الوحيد يكمن في توقف هذه الحرب التي سلبت منه فلذات كبده وأمان منزله، مطالبا بإنهاء المعاناة التي لا تزال تعصف بعائلته منذ أكثر من ربع قرن.
واختتم جمال حديثه بالتأكيد على أن عائلة الدرة ستظل رمزا لصمود الفلسطينيين، رغم كل ما تعرضت له من استهداف ممنهج. وأضاف أن ما تبقى من أفراد الأسرة يحاولون التمسك ببعضهم البعض، بانتظار العودة إلى الحياة الطبيعية بعيدا عن لغة السلاح والدمار التي لم تترك لهم إلا ذكريات مؤلمة وواقعا مليئا بالتحديات.
