كشفت شهادات حية وموثقة عن واقع مرير يعيشه الاطباء والمسعفون الفلسطينيون داخل معتقلات الاحتلال لا سيما معتقل سدي تيمان حيث تحولت حياة من نذروا انفسهم لانقاذ الارواح الى سلسلة من الانتهاكات الجسدية والنفسية. واظهرت روايات متطابقة قدمها شهود عيان من داخل اروقة السجون ان هؤلاء الكوادر تعرضوا لظروف احتجاز قاسية تجاوزت حدود المعقول في ظل غياب ابسط الحقوق الانسانية. واكدت هذه الشهادات ان الهدف من وراء هذا التنكيل كان كسر ارادة من كانوا يوما ما خط الدفاع الاول عن حياة المدنيين في قطاع غزة.
واضاف جندي اسرائيلي سابق في شهادة صادمة ان ما شاهده داخل المعتقل لم يكن مجرد تصرفات فردية بل ممارسات ممنهجة شارك فيها قادة واشرفوا عليها. وبين الجندي انه شعر بخجل عميق من وحشية التعامل مع الاطباء الفلسطينيين الذين يتم اقتيادهم من غرف العمليات الى زنازين التحقيق. واوضح ان الجنود كانوا يتحدثون عن التعذيب بتبجح وكأنه جزء من الروتين اليومي المتبع داخل المعسكر.
واكد طبيب اسرائيلي عمل في مستشفى ميداني داخل المعتقل انه شاهد بنفسه معتقلين فلسطينيين يخضعون لعمليات جراحية مؤلمة دون تخدير او موافقة مسبقة. واشار الى ان الاطباء المعتقلين كانوا يتحولون الى مجرد ارقام مقيدة ومعصوبة الاعين ليسهل التعامل معهم نفسيا. وشدد على ان هذا الواقع جعله يشعر بانه شريك في هذه المعاناة الانسانية التي لا تمت للطب بصلة.
من المستشفى الى المعتقل
وكشف الجراح عصام ابو عجوة عن رحلة العذاب التي خاضها بعد اعتقاله من مستشفى الاهلي المعمداني حيث قضى اكثر من مئة يوم تعرض خلالها لشتى انواع التنكيل. واضاف ان المحققين تعمدوا كسر اسنانه واستخدموا ادوات حادة لتعذيبه في محاولة لانتزاع اعترافات واهية. وبين ان اكثر المواقف ايلاما كان حين طلب المساعدة من طبيب اسرائيلي فجاءه الرد بالضرب والتهديد بالقتل بدلا من تقديم الرعاية.
واكد ابو عجوة ان الطبيب الاسرائيلي خاطبه بعبارات تحريضية واصفا اياه بالمجرم رغم علمه بصفته المهنية كطبيب. وشدد على ان هذه الممارسات تعكس نهجا عدائيا يستهدف تدمير المنظومة الصحية في غزة عبر استنزاف كوادرها. واوضح ان التمييز في المعاملة كان يتجلى في ابشع صوره عندما يتم حرمان الطبيب الفلسطيني من ابسط حقوقه العلاجية.
واشار الى ان المستشفيات في غزة لم تكن مجرد مرافق طبية بل ساحات حرب تعرضت للتدمير الممنهج والاخلاء القسري. واضاف ان الاطباء واصلوا العمل تحت ضغط نقص الوقود والكهرباء والادوية لإنقاذ ما يمكن انقاذه. وبين ان كل طبيب كان يواجه خيارات مستحيلة بين ضحايا يصرخون من الالم وبين واقع يفرض عليهم التوقف عن العمل.
عدنان البرش طبيب خرج ولم يعد
وكشفت قصة الدكتور عدنان البرش رئيس قسم العظام بمستشفى الشفاء عن حجم الماساة التي يعيشها القطاع الطبي حيث رفض الرجل مغادرة شمال غزة حتى اللحظة الاخيرة. واضافت الشهادات ان البرش اعتقل من مستشفى العودة بعد اتصال هاتفي اخير مع عائلته وعدهم فيه بالعودة. وبينت التقارير انه توفي في ظروف غامضة داخل سجن عوفر بعد تعرضه للضرب المبرح.
واكد زملاؤه ان ما حدث مع البرش لم يكن وفاة طبيعية بل عملية قتل متعمد نتيجة الاهمال والتعذيب. وشدد الطبيب خالد حمودة على ان هذه الجريمة تضاف الى سجل طويل من الانتهاكات بحق الكوادر الطبية. واوضح ان سلطات الاحتلال تنصلت من المسؤولية كعادتها زاعمة انها تلتزم بالقانون الدولي رغم كل الشواهد الميدانية.
واضاف حمودة انه فقد عشرة من افراد عائلته في غارة جوية ومع ذلك عاد الى مستشفى كمال عدوان لمداواة الجرحى. وبين انه رغم الفجيعة الشخصية ظل متمسكا بواجبه المهني حتى لحظة اعتقاله. واكد ان الاطباء في غزة يواجهون مفارقة قاسية حيث يطالبون بإنقاذ حياة الاخرين بينما حياتهم وحياة ذويهم معرضة للخطر في كل لحظة.
حسام ابو صفية فقد ابنه وبقي بالمستشفى
واوضح الدكتور حسام ابو صفية انه اختار البقاء بجانب مرضاه رغم استشهاد ابنه في غارة جوية وحرق قلبه بفقدانه. واضاف ان اصراره على العمل في مستشفى كمال عدوان انتهى باعتقاله من قبل القوات الاسرائيلية ونقله الى سجونها. وبينت محاميته انه لا يزال محتجزا دون تهم واضحة ويعاني من اثار التعذيب الشديد.
واكدت الشهادات ان اعداد العاملين في القطاع الصحي الذين قتلوا خلال الحرب تجاوزت الالف وخمسمئة طبيب ومسعف. وشدد التقرير على ان القطاع الصحي تعرض لدمار غير مسبوق في التاريخ الحديث. واوضح ان وراء كل رقم شهيد او معتقل قصة ملحمية لطبيب رفض التخلي عن رسالته الانسانية.
واضاف ان المسعفين الفلسطينيين كانوا يودعون امهاتهم بكلمات الوداع الاخيرة قبل الانطلاق في مهامهم الخطرة. وبين ان الفيلم الذي وثق هذه الشهادات ينقل الصورة من مجرد قصص فردية الى واقع منظومة صحية كاملة تحاول الصمود. واكد ان هذه القصص ستظل شاهدة على حجم المعاناة التي واجهها الاطباء في غزة خلف قضبان الاحتلال.
