لم تكن فكرة استخدام الانفاق في قطاع غزة وليدة الصدفة او نتاجا للاحداث المعاصرة بل هي استراتيجية متجذرة تعود الى ستينات القرن الماضي حينما قررت مجموعات فدائية فلسطينية نقل المعركة الى ما تحت الارض ردا على الاحتلال الاسرائيلي. كشفت الوثائق التاريخية ان هذه الشبكات البدائية كانت بمثابة ملاذ امن للمقاومين الذين تحركوا بين المزارع والبيارات لشن عمليات عسكرية مباغتة اربكت حسابات القوات المحتلة في ذلك الوقت.
واظهرت الممارسات الميدانية ان الفدائيين اعتمدوا على الحفر اليدوي والفتحات المخفية للتمويه والمناورة بعيدا عن اعين الرصد الجوي والبري للاحتلال الذي كثف لاحقا حملات المداهمة والنسف لتلك المخابئ. واكدت هذه التجربة المبكرة قناعة القيادة الفلسطينية ان الكفاح المسلح اصبح الخيار الوحيد لاستعادة الحقوق في ظل تعثر المسارات الدبلوماسية الدولية منذ عام 1948.
وبين الباحثون في شؤون العمارة العسكرية ان اهمية هذه الانفاق تكمن في كونها مثلت المساحة الوحيدة المحررة من سيطرة الاحتلال التامة. واوضح الخبراء ان الفلسطينيين استطاعوا من خلال هذا التكتيك فرض سيادتهم تحت الارض في وقت كانت فيه الاجواء والسطح تحت الهيمنة العسكرية الاسرائيلية المطلقة مما جعل من باطن الارض رمزا للحرية.
تطور استراتيجية الانفاق في غزة عبر العقود
واشار شهود عيان ومراقبون عاصروا تلك الحقبة الى ان صور الفدائيين وهم يتوارون عن الانظار بين المنازل والمزارع ظلت راسخة في الذاكرة الجمعية لاهالي القطاع. واضافوا ان هذه الممارسات وضعت اللبنات الاولى لفكر عسكري يعتمد على استنزاف العدو من خلال شبكة معقدة تستغل التضاريس الجغرافية والعمق الارضي.
وشدد المحللون على ان ما بدأ كعمليات سرية محدودة في الستينات تطور بشكل كبير ومذهل خلال العقدين الاخيرين. واكدوا ان هذه البنية التحتية للمقاومة لعبت دورا محوريا في التصدي للاجتياحات العسكرية الكبرى وفرضت معادلات ردع جديدة كبدت جيش الاحتلال خسائر فادحة في الارواح والعتاد.
واوضحت المعطيات الميدانية ان تحول غزة الى قلعة محصنة تحت الارض بات يشكل التحدي الاكبر لاي عملية عسكرية برية. وبينت ان خبرة المقاومة المتراكمة منذ عقود جعلت من الانفاق عنصرا حاسما في موازين القوى الحديثة داخل القطاع المحاصر.
