تشير التقارير الميدانية والبيانات الرسمية إلى وجود فجوة كبيرة بين زيادة حجم السلع والمساعدات التي تصل إلى قطاع غزة وبين الواقع المعيشي القاسي للسكان. وعلى الرغم من تحسن أرقام الشاحنات الداخلة إلى القطاع في الآونة الأخيرة، إلا أن هذا التدفق لم ينجح في إعادة التوازن للأسواق المحلية أو استعادة عجلة الإنتاج المتوقفة، مما يضع الاقتصاد الغزي في حالة من الشلل التام. وتؤكد المعطيات أن ما يصل إلى الأسواق يتركز بشكل أساسي في المواد الاستهلاكية المحدودة، بينما تظل المعدات الحيوية وقطع الغيار والمواد الخام اللازمة لتشغيل المنشآت الاقتصادية غائبة أو ممنوعة من الدخول.

واضافت المصادر أن الأزمة لا تقتصر على الكميات الواردة فحسب، بل تمتد لتشمل التحكم الإسرائيلي الصارم في نوعية البضائع المسموح بمرورها، مما يفرض واقعا اقتصاديا معقدا يفتقر إلى أدوات الإنتاج الأساسية. وبينت التحليلات أن استمرار هذه السياسات يحرم السكان من أبسط مقومات العمل والإنتاج، ويجعل من الصعب على القطاع الخاص استعادة عافيته في ظل قيود مشددة تتحكم في مصير كل شاحنة تدخل عبر المعابر.

واكد خبراء اقتصاديون أن التقييم الحقيقي لحالة الأسواق لا يعتمد على عدد الشاحنات، بل على مدى توفر السلع الضرورية وقدرة المواطنين على اقتنائها بأسعار عادلة. واوضحوا أن غياب المواد الخام يعني انعدام القدرة على توليد الدخل، مما يحول القطاع إلى سوق استهلاكية تعتمد كليا على المساعدات الخارجية بدلا من الاعتماد على الذات والإنتاج المحلي.

واقع المساعدات الميداني في قطاع غزة

وكشفت وزارة التنمية الاجتماعية في غزة أن حجم المساعدات الواصلة لا يسد سوى جزء يسير من الاحتياجات الفعلية للسكان، حيث يعتمد أكثر من 95% من الأسر على المعونات بشكل كامل. واظهرت البيانات الرسمية أن أكثر من 90% من المواطنين فقدوا قدرتهم الشرائية، مما يجعل وجود البضائع في المتاجر مجرد مشهد صوري لا يغير من واقع الجوع والفقر الذي تعيشه آلاف الأسر.

واضافت المتحدثة باسم الوزارة عزيزة الكحلوت أن قاعدة البيانات المحدثة تضم أكثر من 500 ألف أسرة في أمس الحاجة للغذاء والمياه والأدوية، مشيرة إلى أن التحديات تتفاقم بسبب نقص الوقود وتضرر البنية التحتية الذي يعيق وصول المساعدات إلى مستحقيها. وبينت أن عدم تنوع المساعدات يحد من قدرة المؤسسات على مواكبة الاحتياجات المتغيرة التي تتطلب تدخلا عاجلا في مجالات الدعم النفسي والاجتماعي.

وتابعت الوزارة أن المشكلة تتركز في ثلاثة مستويات رئيسية تبدأ من نقص الكميات الموردة، مرورا بصعوبة النقل الداخلي، وصولا إلى عدم مواءمة المعونات للاحتياجات اليومية المتزايدة. وشددت على أن استمرار هذا النمط من التدخل الإغاثي دون حلول جذرية يفاقم من الأزمة الإنسانية ويجعل من الصعب التنبؤ بمستقبل الفئات الأكثر احتياجا في القطاع.

التضخم المرتفع وتآكل القدرة الشرائية

واظهرت بيانات مكتب الأمم المتحدة لتنسيق الشؤون الإنسانية أن معدلات التضخم في غزة سجلت مستويات قياسية وصلت إلى 200% مقارنة بما قبل أكتوبر 2023. واكد الخبير الاقتصادي محمد أبو جياب أن هذا الارتفاع الجنوني في الأسعار يعود إلى تكاليف النقل الباهظة والمخاطر المرتفعة التي يتحملها التجار، والتي تنعكس في النهاية على السعر النهائي الذي يدفعه المستهلك المنهك.

واوضح أبو جياب أننا أمام أزمة مزدوجة، حيث السلع المتاحة باهظة الثمن والقدرة الشرائية للمواطن شبه معدومة، مما يخلق حالة من الركود التضخمي. وبين أن تحسن أرقام دخول البضائع لا قيمة له ما لم تكن هناك سياسات اقتصادية قادرة على خفض التكاليف وضمان وصول السلع الأساسية بأسعار في متناول الجميع.

واكد أن استعادة الاقتصاد تتطلب رؤية شاملة تعيد إحياء حركة التجارة الداخلية، وليس فقط تكديس السلع على الرفوف التي لا يملك المواطن ثمنها. واضاف أن تحسين الوضع الاقتصادي يتوقف على توفر مدخلات الإنتاج التي تحول المجتمع من حالة الانتظار للمعونات إلى حالة الإنتاج والعمل، وهو المخرج الوحيد من دوامة الفقر المدقع.