تخيم اجواء من التوتر الشديد على العلاقات البريطانية الاسرائيلية مع اقتراب الموعد النهائي الذي حددته تل ابيب لاغلاق القنصلية البريطانية في القدس الشرقية المحتلة. وتكشف التحركات الدبلوماسية الاخيرة عن محاولات مكثفة ومستترة تجريها لندن لاحتواء هذه الازمة ومنع تنفيذ القرار الذي قد يغير مسار العلاقات بين البلدين بشكل جذري. وتشير المعلومات الواردة الى ان بريطانيا تدرس خيارات تصعيدية قوية للرد على هذه الخطوة، ابرزها التلويح بطرد عدد كبير من الدبلوماسيين الاسرائيليين العاملين على اراضيها في حال الاصرار على المضي قدما في اغلاق البعثة الدبلوماسية.
واوضحت تقارير دبلوماسية ان مستشار الامن القومي البريطاني جوناثان باول قد اجرى زيارة سرية الى اسرائيل مؤخرا بهدف اجراء حوار عاجل مع المسؤولين هناك، حيث سعى من خلالها الى اقناع الحكومة الاسرائيلية بالعدول عن قرارها او تجميده على الاقل. وبينت المصادر ان الزيارة لم تسفر عن اتفاق نهائي ينهي الازمة، لكنها فتحت قنوات اتصال لا تزال قائمة في محاولة للتوصل الى تسوية دبلوماسية قبل حلول الموعد النهائي الذي ينهي مهلة الثلاثين يوما التي منحتها السلطات الاسرائيلية.
واكدت مصادر مطلعة ان الموقف الاسرائيلي لا يزال متصلبا، حيث شدد متحدث باسم وزير الخارجية الاسرائيلي جدعون ساعر على ان قرار اغلاق القنصلية قائم ومستمر وفق الجدول الزمني المعلن مسبقا. واضافت تقارير صحفية ان التهديد البريطاني بطرد 27 دبلوماسيا اسرائيليا وعائلاتهم قد يكون الورقة الاخيرة بيد لندن للضغط على تل ابيب، وهو ما يعكس حجم التدهور غير المسبوق في العلاقات بين الطرفين.
سيناريوهات التصعيد بين لندن وتل ابيب
وبينت صحيفة الغارديان ان احتمال طرد هذا العدد الكبير من الدبلوماسيين يمثل مؤشرا خطيرا على وصول العلاقات الى ادنى مستوياتها منذ سنوات طويلة، حيث قد يتخذ هذا الاجراء شكل المعاملة بالمثل بطرد دبلوماسي اسرائيلي مقابل كل دبلوماسي بريطاني يضطر للمغادرة. واضافت ان هذا السيناريو يذكر بما حدث سابقا بين بريطانيا وروسيا من عمليات طرد متبادلة، مما يضع البلدين امام منعطف دبلوماسي حرج قد ينهي سنوات من التعاون.
واشار مصدر دبلوماسي اسرائيلي الى ان حكومته لا تلتفت الى التكهنات بشأن الردود المحتملة، موضحا ان اي تحرك ضد اسرائيل سيواجه برد مناسب وحازم. واكد ان اسرائيل لن تتراجع امام الضغوط الخارجية، خاصة في ظل التوترات المتصاعدة المرتبطة بقرارات بريطانيا الاخيرة المتعلقة بحظر منتجات المستوطنات.
واوضحت الاحداث الاخيرة ان جذور الازمة تعود الى سبتمبر الماضي عندما اعلنت لندن اعتزامها فرض قيود على السلع المنتجة في مستوطنات الضفة الغربية، معتبرة ان ممارسات الحكومة الاسرائيلية تقوض فرص حل الدولتين. واضافت بريطانيا ان هذه العقوبات جاءت ردا على توسع الاستيطان وتزايد هجمات المستوطنين، وهو ما دفع تل ابيب للرد الفوري باستهداف القنصلية البريطانية في القدس.
ابعاد قانونية وسياسية لازمة القنصلية
وكشفت نقاشات دبلوماسية ان القنصلية البريطانية في حي الشيخ جراح لا تعد مجرد بعثة دبلوماسية عادية، بل هي حجر الزاوية في علاقة لندن مع الفلسطينيين في الضفة الغربية وقطاع غزة. واوضحت ان وضعها القانوني كبعثة مستقلة عن السفارة في تل ابيب يجعل من اغلاقها انتهاكا محتملا للقانون الدولي، خاصة ان معظم دول العالم، بما فيها بريطانيا، تعتبر القدس الشرقية ارضا فلسطينية محتلة.
واضاف خبراء قانونيون ان المدعي العام البريطاني الاسبق دومينيك غريف قدم رأيا غير رسمي يفيد بأن الخطوة الاسرائيلية تفتقر الى السند القانوني السليم، مما يعزز الموقف البريطاني في رفض القرار. واكدت مصادر غربية ان القلق يتزايد من ان يصبح هذا الاغلاق سابقة خطيرة تتجاوز حدود الخلاف الثنائي لتؤثر على وضع البعثات الدبلوماسية الدولية في المنطقة.
واظهرت التطورات ان بريطانيا ليست الوحيدة في هذا التوجه، حيث انضمت دول اخرى مثل فرنسا وكندا لفرض اجراءات مماثلة، مما يجعل اسرائيل في مواجهة دبلوماسية واسعة مع حلفائها التقليديين. واضافت المصادر ان الايام القادمة ستكون حاسمة في تحديد ما اذا كانت الدبلوماسية ستنجح في نزع فتيل هذه الازمة ام ان الطرفين يتجهان نحو قطيعة دبلوماسية غير مسبوقة.
