اقتحمت قوات الاحتلال الإسرائيلي جامعة بيرزيت شمال مدينة رام الله، الإثنين وهدمت «صرح الشهداء» في الجامعة.
كما اقتحمت مرافق كلية العلوم وخربت مختبرات دائرتي الفيزياء والأحياء وعبثت بمحتوياتهما، إلى جانب اقتحام مكاتب الحركة الطلابية، واعتقلت أحد رجال الأمن في الجامعة.
ونفذ الاحتلال اقتحامه بجرافة عسكرية ونحو عشر آليات عسكرية، حيث عملت على تدمير صرح الشهداء الذي يضم أسماء الطلبة الذين سقطوا برصاص قوات الاحتلال على مدار سنوات الجامعة.
وأكدت إدارة الجامعة أن عملية الاقتحام وهدم صرح الشهداء لن تمحو، ولم تمحُ، أسماء الشهداء من قلوب وعقول طلابها. وأكدت الجامعة أن طلبة بيرزيت يحرسون الذاكرة ويحفظون العهد.
وشددت الجامعة على أن «الجرافات لن تمحو ذاكرة الشهداء، والآليات العسكرية لن تطفئ نور المعرفة»، وأنها ستواصل أداء رسالتها الأكاديمية والوطنية في التعليم والبحث العلمي وخدمة المجتمع، متمسكة بحق طلبتها وأساتذتها في جامعة حرة وآمنة.
«الجرافات لن تمحو ذاكرة الشهداء والآليات العسكرية لن تطفئ نور المعرفة»
وقالت مصادر من الجامعة لصحيفة «القدس العربي» إن الجامعة تتعرض بشكل متكرر لاقتحامات إسرائيلية، شهد بعضها اعتقالات وإصابات، وإن ذلك يأتي كجزء من استهداف الجامعة وحركتها الطلابية.
وقالت المصادر إن آخر الاقتحامات كان في أواخر شهر أيلول/سبتمبر الماضي، حيث اقتحمت القوات الجامعة وصورت النصب التذكاري.
وقال عميد شؤون الطلبة في جامعة بيرزيت غسان البرغوثي لوسائل الإعلام إن الصرح المستهدف هو صرح قديم قائم منذ عشرات السنين، وشدد على أن القوات لم تحذر أو تهدد بهدمه، ولم تطلب من الجامعة إزالته.
وأكد البرغوثي أن الصرح أقيم لتخليد ذكرى شهداء طلبة الجامعة، ويتضمن قائمة بأسمائهم منذ عشرات السنوات، تضاف إليها أسماء الشهداء الجدد. وتابع أن الجامعة تعمل على تقييم الوضع والعمل على إعادة ترميم الصرح، باعتباره جزءا من معالم جامعة بيرزيت.
ورأى أن الأخطر من هدم الصرح هو اقتحام حرم مؤسسة تعليمية، وهو مخالف للمواثيق الدولية. وشدد على أن العملية التعليمية مستمرة داخل الجامعة التي تؤكد رسالتها الدائمة المتمثلة في الحفاظ على العملية التعليمية رغم اعتداءات الاحتلال.
وبعد عملية الهدم، قام الطلبة بشكل عفوي بكتابة أسماء الشهداء مجددا على لوح أبيض كبير بالقرب من المكان.
وكتبوا: «هنا كان صرح الشهداء في جامعة بيرزيت.. قد يهدمون الحجر، لكنهم لن يهدموا الذاكرة».
وقال أحد الطلبة لـ»القدس العربي» إن رسالة الجامعة تؤكد أن الذاكرة لا تهدم بالجرافات ولا تمحى بإزالة الحجارة.
وبإعادة رفع الأسماء، أراد الطلبة القول إن صرح الشهداء قد يُدمر، لكن أسماء من خلدهم لا يمكن اقتلاعها من ذاكرة الجامعة، وإن إزالة الحروف من الجدران لا تعني محو أصحابها.
انتهاك للقانون
وأدانت جامعة بيرزيت الاقتحام، معتبرة إياه انتهاكا للقانون الدولي واستهدافا للعلم والذاكرة الوطنية، وقالت إن تدمير صرح الشهداء يمثل استهدافا مباشرا لذاكرة الجامعة وشهدائها، فيما يشكل تخريب المختبرات والمرافق الأكاديمية اعتداء على العملية التعليمية وحرمة المؤسسة الجامعية.
وأوضحت الجامعة أن الاقتحام جاء بعد نحو عشرة أيام فقط من اقتحام سابق لحرمها، نفذته قوات الاحتلال في وضح النهار وأثناء تقديم الطلبة امتحاناتهم، وقبل يوم واحد من انطلاق الفصل الأول للعام الأكاديمي 2026-2027، معتبرة ذلك تصعيدا متواصلا يستهدف الجامعة وحق طلبتها في التعليم.
وأكدت في بيان صحافي وصل «القدس العربي» نسخة منه أن استهداف الجامعة يتجاوز تعطيل العملية التعليمية إلى المساس بدورها بوصفها حاضنة للمعرفة والبحث العلمي والوعي والذاكرة الوطنية، مشددة على أن حق الطلبة والأكاديميين في التعليم والعمل في بيئة جامعية آمنة، وحرمة الجامعات واستقلالها الأكاديمي، مبادئ أساسية لا يجوز المساس بها.
واعتبرت بيرزيت أن اقتحام حرمها وتدمير مرافقه يشكلان انتهاكا لقواعد القانون الدولي الإنساني التي توفر الحماية للمؤسسات التعليمية والعلمية أثناء النزاعات والاحتلال، وحملت سلطات الاحتلال المسؤولية الكاملة عن الاقتحام وتبعاته.
«طلبة بيرزيت يحرسون الذاكرة ويحفظون العهد»
وطالبت الجامعة المجتمع الدولي والمؤسسات الأكاديمية والحقوقية الدولية بتحمل مسؤولياتها في حماية المؤسسات التعليمية الفلسطينية، وضمان احترام القانون الدولي والمواثيق ذات الصلة، وصون الحق في التعليم وحرمة المؤسسات الأكاديمية.
وأكدت أن تدمير صرح الشهداء وتخريب المختبرات والمرافق التعليمية ليس اعتداء على الحجر فحسب، بل استهداف لرسالة الجامعة ودورها في إنتاج المعرفة، وللذاكرة الوطنية التي تشكل جزءا أصيلا من هويتها.
وشددت جامعة بيرزيت على أن الاعتداءات المتكررة على الجامعات الفلسطينية تستوجب موقفا دوليا وأكاديميا واضحا ومساءلة عن الانتهاكات التي تطال المؤسسات التعليمية وحق الفلسطينيين في التعليم والمعرفة.
مزيد من المعرفة التحررية
وعقب الأستاذ والمحاضر في الجامعة صالح مشارقة على المشهد أن العمل العسكري في الجامعة لن يحبط الطلبة، بل سيحدث العكس تماما، حيث سيزداد الطلبة والمحاضرون التصاقا بالعملية، ويعطونها منظورا تحرريا أكثر في ظل وجود من يستفزهم ويسعى إلى كسر حياتهم ويمنعهم من تلقي المعرفة وتبادلها، ويحاول أن يمنعهم من الوصول إلى الجامعة ويكسر رموزهم الثقافية وشاهد الشهداء.
وشدد مشارقة في حديث لـ»القدس العربي» على أن ما جرى لن يوقف الحياة العلمية والتعليمية في الجامعة، رغم أنه يمس جانبا مهما من حياتها ويشكل خطرا عليها ومساسا برموزها وحركتها الطلابية، لكنه في المقابل سيبعث روحا تحررية في العملية التعليمية، والطلبة سيصلون وسيبدأ الفصل الدراسي رغم المعيقات التي تستهدف الجامعة.
وتابع مشارقة: «لقد كان الدخول إلى مباني الجامعة صباح اليوم، بعد الاقتحام، مخيفا. شعرت بالخوف والقلق من وجود جنود مختبئين، أو دوريات استطلاع، أو أجهزة تنصت بين قاعات المحاضرات والمختبرات والمباني بعد اقتحام جيش الاحتلال، لكن هذا الشعور مر بعد أن دخل الطلاب والمحاضرون ودبت الحياة في أروقة الجامعة».
واعتبر المحاضر مشارقة الاقتحام درجة جديدة من مخطط ضم الضفة، وتابع: «لقد كانت فيه جامعة بيرزيت المحطة التعليمية الأولى في الاستهداف. يريدون أن يرهبوا كل الجامعات الفلسطينية: أنكم في مرمى الاقتحام والعقاب على شعور وطني، وعلى أي علم فلسطيني مرسوم على درج بناية أو مدخل كلية».
«هذه الاقتحامات لن تحبط الطلاب والمحاضرين بل ستبعث روحا تحررية في العملية التعليمية»
وأضاف: «جاء تحطيم نصب أسماء الطلاب الشهداء استمرارا لما قام به المستوطنون المتطرفون في قرى نابلس والخليل وفي كل مكان؛ ينتقمون من الشهداء حتى وهم ميتون».
وحسب مشارقة، فإن هذه الاقتحامات لن تحبط الطلاب والمحاضرين في الجامعة، بل بالعكس، سينظرون إلى دراستهم على اعتبار أنها عملية تحرر من الجهل، وتحرر من الاحتلال والاستعمار.
ووجه دعوة لطلاب العالم الحر وأساتذة الجامعات العربية والعالمية إلى مقاطعة الجامعات الإسرائيلية التي تقف مع حكومة الاحتلال، وأضاف: «أطالب كل الحكومات والجامعات بوقف الاستثمار مع أي طرف أكاديمي إسرائيلي سكت عن الإبادة في غزة أو دعمها، أو يدعم الاحتلال في الضفة الغربية والقدس والجولان المحتل».
وأضاف: «يجب ألا تمر حادثة اقتحام جامعة بيرزيت دون موقف واضح من المجتمع الأكاديمي الدولي. أدعو الجامعات واتحادات الطلبة والنقابات الأكاديمية حول العالم إلى إدانة اقتحام الجامعات الفلسطينية والاعتداء على مرافقها، ومراجعة اتفاقيات التعاون والتبادل الأكاديمي والبحثي مع الجامعات الإسرائيلية التي تدعم سياسات الحكومة الإسرائيلية أو تشارك فيها، والضغط على حكوماتها لحماية المؤسسات التعليمية الفلسطينية وضمان حق الطلبة والأكاديميين الفلسطينيين في التعليم والعمل بحرية وأمان».
سوابق
في السياق ذاته، اعتبر المحاضر في الجامعة عماد الأصفر ما جرى في الجامعة أنه جزء من الحرب التي تشن على كافة الرموز الفلسطينية في بيرزيت وخارجها، حيث سبق لهم الاعتداء على الجامعة وعلى الكثير من النصب التذكارية في فلسطين.
وتابع الأصفر في حديث لـ«القدس العربي»: «علينا أن نتذكر أن الفلسطينيين والضفة الغربية هما وقود انتخابي في دولة الاحتلال، والأمر يأتي قبيل الانتخابات».
وأضاف أن الأمر يعتبر مدعاة للسخرية أكثر منه مدعاة للاستنكار، «علينا النظر فيما يفعلون، إنهم يدعون أنهم جيش أخلاقي، ويدعون أنه قوة عظمى ويحارب على سبع جبهات وما شابه، فيما يقوم باقتحام جامعة تحت جنح الظلام بالجرافات لهدم نصب تذكاري ويصادره».
وأضاف أن هؤلاء الشهداء سقطوا بنيران جيش الاحتلال الإسرائيلي، وذكراهم لن تُمحى بإزالة هذا النصب، على أهمية ورمزية هذا الإجراء الذي قام به الاحتلال.
وأكد أن جامعة بيرزيت هي جامعة الشهداء، معتبرا أن «هذه ذكرى محفورة في نفوس أبنائها، ومن لم يشهد من أبنائها الجدد عنف الاحتلال، ها هو يشهده اليوم، وها هي ذكرى ومجازر الاحتلال تتجدد يوما بعد يوم».
وأكد أن ما جرى اليوم ينمي وطنية الفلسطينيين، وقال: «أفعال الاحتلال الإجرامية هذه لن يكون لها تأثير على الجامعة ولا على مسيرتها الأكاديمية. كنا نتوقع أن يقوم الطلبة اليوم بإضراب، ولكنهم، والحمد لله، قرروا الاستمرار بالعام الدراسي والاستمرار بالحياة الأكاديمية وكأن شيئا لم يكن».
وختم قائلا: «أهداف الاحتلال واضحة وتريد خلع ذاكرة الفلسطينيين والتأثير على معنوياتهم، ولكن الشعب الفلسطيني الذي يواجه الاحتلال منذ عشرات السنوات أصبح خبيرا بما يزعج الاحتلال وبمراميه، وسيفوت الفرصة على الاحتلال».
«جامعة بيرزيت هي جامعة الشهداء وهذه ذكرى محفورة في نفوس أبنائها»
استهداف النصب واللافتات في جنين والقدس
في السياق ذاته، أخطرت قوات الاحتلال بهدم عدد من اللافتات والنصب التذكارية التي تحمل صور شهداء في مدينة جنين وبلدة يعبد جنوب غرب المحافظة.
وأفادت مصادر أمنية أن قوات الاحتلال أخطرت بإزالة لافتة في مدينة جنين تحمل صور ثلاثة شهداء، كما شملت الإخطارات أمرا بإزالة «نصب تذكاري»، عبارة عن لافتة تحمل صورة الشهيد محمود خالد عرعراوي، في مدينة جنين، إضافة إلى إخطار آخر بإزالة لافتة تحمل صورة الشهيد تامر عزمي نشرتي، مقامة في المدينة.
وأشارت المصادر إلى أن قوات الاحتلال أخطرت كذلك بهدم «نصب تذكاري»، عبارة عن لافتة تحمل صور الشهيدين نضال أمين زيدان حازم ويوسف صلاح بركة، في مدينة جنين، كما أخطرت في بلدة يعبد جنوب غرب جنين بهدم نصب تذكاري للشهيد الأسير ياسر ذياب حمدوني.
في القدس، تفاخرت شرطة الاحتلال بمداهمة مدرسة بنات العيزرية واعتقلت مديرتها رندة أبو زياد بدعوى التحريض ضد إسرائيل.
ونشرت الشرطة فيديو تدعي فيه أنه يوثق عملية ضبط مواد تحريضية، مثل أعلام فلسطينية وصور للشهداء، ومن بينها صورة للإعلامية الشهيدة شيرين أبو عاقلة.
