كشفت قصص الناجين في قطاع غزة عن مآس انسانية تفوق حدود الجسد، حيث يعيش مئات الفلسطينيين واقعا مريرا بعدما سلبتهم الحرب ابسط مقومات الحياة. واظهرت الحالات المسجلة ان الاصابات لم تقتصر على الجروح الظاهرة، بل امتدت لتطال الحواس والذاكرة وحتى القدرة على ممارسة التفاصيل اليومية البسيطة. وبينت المشاهد ان الكثير من هؤلاء يعانون في صمت، محاولين التكيف مع واقع جديد فرضته عليهم آلة الحرب التي لا ترحم.

واكد الشاب رمضان الاشرم، الذي فقد بصره اثر اصابة مباشرة في الرأس، ان حياته تغيرت جذريا بعد ان اصبح معتمدا بشكل كلي على زوجته في كل تحركاته. واضاف الاشرم في حديثه ان اصعب لحظات حياته كانت حين استقبل مولوده الاول دون ان يتمكن من رؤية ملامحه، واصفا مشاعره بانه كان يتمنى لو استعاد بصره للحظة واحدة فقط ليتأمل وجه طفله. واشار الى ان معاناته تضاعفت خلال رحلات النزوح القسري، حيث كان يخشى السقوط في كل خطوة يخطوها دون يد تقوده.

واقع مرير واجساد ناقصة

وبينت قصة الطفل كنان ابو جبة حجم الفقد الذي يعيشه اطفال غزة، اذ فقد ذراعه وعائلته بالكامل في قصف استهدف منزلهم بجباليا. واوضح كنان بكلمات مؤثرة ان يده المبتورة تذكره دائما بما خسره، مشيرا الى ان الطرف الصناعي الذي حصل عليه لم يعد يلائمه بعد ان كبر جسده، مما يجعله يشعر بالعجز في ابسط الانشطة كاللعب مع اقرانه. وشدد الطفل على ان حلمه البسيط هو ان يمتلك ذراعين ليتمكن من ممارسة حياته كبقية الاطفال.

وكشفت السيدة كوثر نصر عن جانب اخر من المعاناة، حيث فقدت حاستي الشم والتذوق تماما نتيجة تهتك في الاعصاب عقب قصف منزلها الذي اودى بحياة زوجها وابنائها. واوضحت ان الطعام اصبح بالنسبة لها مجرد وسيلة للبقاء على قيد الحياة، حيث فقدت كل متعة في التذوق واصبحت الروائح المحيطة بها غائبة تماما عن ادراكها. واضافت ان العيش في هذا الفراغ الحسي يزيد من شعورها بالغربة عن عالمها الذي كانت تعرفه قبل ان تدمره الحرب.

ذاكرة معطلة وحواس مفقودة

واظهرت حالة المواطنة عايدة ان الحرب لم تكتفِ بتدمير الاجساد، بل امتدت لتضرب الذاكرة وتوقف الزمن عند لحظة فقدان الابناء. واوضحت ابنتها سهام ان والدتها دخلت في غيبوبة طويلة بعد سماع خبر استشهاد ابنائها، وعندما استيقظت كانت قد فقدت قدرتها على الكلام وعادت تتصرف كطفلة صغيرة تحتاج للرعاية المستمرة. واكدت ان ذاكرتها تبدو عالقة في الماضي، بينما تعاني من خلل في ادراك الواقع المحيط بها.

وبينت تجربة الشابة عزة العمور ان الفقد قد يأتي في لحظات السعي وراء المستقبل، حيث فقدت سمعها وجزءا من قدرتها الحركية اثناء محاولتها اداء امتحاناتها الجامعية. واوضحت عزة انها رغم فقدانها للسمع واصابتها بالشلل النصفي، الا انها ترفض الاستسلام وتستخدم دفترا صغيرا للتواصل مع من حولها. واضافت انها تصر على اكمال دراستها في الارشاد النفسي، متمسكة بالامل في ان ما فقدته لن يكون نهاية لمسيرتها في الحياة.

وكشفت هذه الحالات ان غزة ليست مجرد ارقام للضحايا، بل هي ارض تعج بالناجين الذين يحملون ندوبا غير مرئية في حواسهم وذاكرتهم. واختتمت القصص بالاشارة الى ان كل شخص في غزة اصبح يحتاج الى يد اخرى لتعينه على تجاوز آثار الحرب، سواء كانت يدا مادية للاتكاء عليها او يدا معنوية تساعده على استعادة ما يمكن استعادته من تفاصيل الحياة اليومية المفقودة.