وسط الدمار الهائل الذي خلفه العدوان على قطاع غزة، يبرز دور فرق الإنقاذ التي تعمل بجهود ذاتية وبسيطة لانتشال جثامين الشهداء من تحت الأنقاض. وتتجسد هذه المأساة في قصة الشاب فؤاد شاكر، الذي استشهد في قصف استهدف منزله بجباليا، وبقي جثمانه مفقودا لقرابة عامين قبل أن يتمكن المنقذون من الوصول إليه ودفنه بكرامة.

وأضافت عائلة الشهيد أنها عاشت أياما عصيبة، حيث لم تجد في البداية سوى جمجمته، فأقامت صلاة الجنازة عليها ودفنتها، قبل أن تكلل جهود البحث المتواصلة بانتشال بقية الجثمان بعد تغير ظروف الميدان. وأكد شقيقه فارس أن هذه اللحظة كانت فارقة في مسار معاناتهم، حيث أعاد دفن شقيقه في القبر ذاته الذي احتضن جزءا منه لشهور طويلة.

وبينت الأحداث أن الإصرار على انتشال الضحايا لا يقتصر على ذويهم، بل يشاركهم في ذلك فرق تطوعية اتخذت من هذا العمل الإنساني الشاق مهنة لها رغم غياب الإمكانيات. وأظهرت هذه القصص أن الرغبة في إكرام الموتى تسبق أي خوف من المخاطر المحدقة بعمليات الحفر وسط الركام.

مهمة شاقة في قلب الموت

وكشف أدهم الرنتيسي، أحد أبرز المنقذين، أن مسيرته في هذا العمل بدأت منذ سنوات طويلة، وتطورت لتصبح فريقا متكاملا يسابق الزمن لإنقاذ الأحياء أو استخراج الشهداء. وأوضح أن التحديات كبيرة، حيث تتراوح ظروف العمل بين خطر القصف المباشر، وانهيار الأبنية غير المستقرة، والمواد الكيميائية الضارة التي تسبب التهابات حادة للمنقذين.

وأشار الرنتيسي إلى أن عمليات البحث قد تستغرق أياما طويلة في حال كانت الأنقاض ضخمة وتضم أعدادا كبيرة من الضحايا، مشددا على أن الفريق يعمل بآليات يدوية بدائية نظرا لشح المعدات الثقيلة. وأضاف أنهم واجهوا مواقف لا تُنسى، منها قصف طالهم أثناء عملهم، مما اضطرهم للنجاة بأنفسهم قبل العودة لمواصلة مهامهم الإنسانية.

وتابع المنقذ حديثه عن لحظة استثنائية حين تمكن من إنقاذ جنين من رحم والدته الشهيدة وسط الأنقاض، واصفا ذلك بأنها لحظة ولادة الحياة من قلب الموت. وأكد أن هذه المواقف هي ما يمنحهم القوة لمواصلة العمل ليلا ونهارا، استجابة لنداءات الأمهات اللواتي ينتظرن بصيص أمل لمعرفة مصير أبنائهن.

تحديات ميدانية وعوائق مستمرة

وكشفت الإحصائيات أن آلاف المفقودين ما زالوا عالقين تحت الأنقاض، بينما تواصل طواقم الدفاع المدني محاولاتها بجهود مضنية للوصول إليهم. وأكد المتحدث باسم الدفاع المدني محمود بصل أن النقص الحاد في المعدات والآليات يمثل العائق الأكبر أمام سرعة إنجاز هذه المهام الإنسانية المعقدة.

وأوضح بصل أن ملف المفقودين يمثل أولوية وطنية وإنسانية بالغة الأهمية، مشددا على ضرورة توفير دعم دولي وأدوات متطورة لرفع كفاءة الطواقم الميدانية. وبين أن الفرق تعمل في ظروف بالغة الخطورة، انطلاقا من مسؤوليتها تجاه العائلات التي تسعى لدفن ذويها بكرامة.

وشدد في ختام حديثه على أهمية استقطاب جهات داعمة جديدة، مشيرا إلى أن استمرار هذه الأزمة يتطلب تكاتف الجهود لتوفير بيئة عمل آمنة ومجهزة لانتشال ما تبقى من الضحايا وإنهاء معاناة ذويهم المستمرة.