كشفت بيانات ميدانية حديثة عن فداحة الخسائر البشرية والمادية التي لحقت بقطاع غزة بعد مرور ثلاث سنوات متواصلة من العمليات العسكرية المكثفة. واظهرت الاحصائيات ان واحدا من بين كل ثلاثين فلسطينيا قد ارتقى شهيدا في حين اصيب واحد من بين كل ثلاثة عشر فردا، مما يعكس حجم الكارثة الانسانية التي يعيشها القطاع منذ بدء التصعيد العسكري في السابع من اكتوبر.

وبينت التقارير ان اسرائيل عمدت الى تحويل الحصار الممتد لستة عشر عاما الى عملية خنق شاملة للقطاع عبر قصف متواصل لم يتوقف الا في فترات محدودة. واكدت المعطيات الميدانية ان حالة القطاع اليوم ترسم صورة قاتمة للوضع المعيشي والانساني الذي يتدهور بشكل يومي تحت وطأة الحصار والدمار.

واوضحت الاحصاءات ان عدد الشهداء تجاوز حاجز الاربعة وسبعين الفا بينهم اكثر من واحد وعشرين الف طفل، وهو ما يمثل نسبة ثلاثة بالمئة من اجمالي السكان الذين كانوا يقطنون غزة قبل بداية الاحداث. واضافت المصادر ان هذه الارقام لا تشمل آلاف المفقودين الذين لا يزالون تحت الانقاض، مما يشير الى ان الحصيلة الحقيقية قد تكون اكبر بكثير مما تم تسجيله رسميا.

واقع المصابين والمنظومة الصحية في غزة

وكشفت التقديرات الصادرة عن منظمة الصحة العالمية ان عدد المصابين تخطى حاجز المئة وخمسة وسبعين الف شخص، مبينا ان ربع هذا العدد يعاني من اصابات بالغة ستلازمهم طوال حياتهم وتتطلب رعاية طبية واعادة تأهيل طويلة الامد. وشدد الخبراء على ان نسبة كبيرة من هؤلاء المصابين هم من الاطفال الذين يواجهون مستقبلا صحيا مجهولا.

واظهر الواقع الميداني ان المرافق الصحية المتبقية في القطاع تعاني من انهيار شبه كامل، حيث تعمل فوق طاقتها الاستيعابية القصوى مع تناقص حاد ومستمر في الامدادات الطبية والوقود اللازم لتشغيل الاجهزة الحيوية. واكدت التقارير ان ما تبقى من النظام الصحي لا يكاد يلبي الاحتياجات الاساسية للسكان في ظل استمرار الضغوط.

وبينت المعطيات ان الفترة الماضية شهدت استمرارا للعمليات العسكرية رغم الحديث عن فترات تهدئة، حيث سجلت الايام الماضية استمرار الهجمات في معظم الاوقات. واضافت ان نسبة الايام التي لم يقتل فيها فلسطينيون او يصب فيها احد لا تتجاوز بضعة ايام معدودة، مما يؤكد ان الهدوء المزعوم لا وجود له على ارض الواقع.

انهيار البنية التحتية والمقومات الاساسية

وكشفت التقارير الدولية ان اثنان واربعون مرفقا صحيا فقط لا تزال تعمل من اصل ستمئة وستة وستين مرفقا، حيث خرجت الغالبية العظمى من الخدمة نتيجة الاستهداف المباشر او نقص الموارد. واوضحت ان استهداف المستشفيات يمثل انتهاكا صارخا للقوانين الدولية التي تحمي الطواقم والمرافق الطبية في جميع الظروف.

واكدت البيانات ان اكثر من تسعين بالمئة من الاسر في غزة تعاني من ازمة مياه حادة، حيث دمرت العمليات العسكرية الابار وشبكات النقل ومحطات التحلية بشكل كامل. واضافت ان متوسط ما يحصل عليه الفرد اليوم من المياه لا يتجاوز ستة لترات، وهو اقل بكثير من الحد الادنى العالمي المعتمد في حالات الطوارئ.

وبينت الاحصائيات ان اكثر من ثمانين بالمئة من المباني السكنية قد تضررت او دمرت بشكل كلي، مما ادى الى نزوح ما يقرب من مليوني نسمة من ديارهم. وشدد المراقبون على ان قطاع التعليم يعاني ايضا من كارثة حقيقية، حيث توقفت العملية التعليمية لاكثر من سبعمئة الف طالب نتيجة تدمير المدارس والجامعات وتحويل ما تبقى منها الى مراكز ايواء للنازحين.

استهداف الصحفيين وتغييب الحقيقة

وكشفت التقارير عن استشهاد قرابة ثلاثمئة صحفي وعامل في قطاع الاعلام منذ بداية الحرب، في حصيلة تعد الاعلى في تاريخ النزاعات المعاصرة. واظهرت القوائم ان من بين الشهداء طواقم اعلامية بارزة كانت تنقل الصورة والخبر للعالم، مما يعكس استهدافا ممنهجا للكلمة والصورة.

واضافت المصادر ان السلطات الاسرائيلية تفرض قيودا صارمة تمنع الصحافة الاجنبية من دخول القطاع، وتكتفي بالسماح لعدد محدود من المراسلين بمرافقة القوات العسكرية تحت رقابة مشددة. وشددت على ان هذا الاجراء يهدف الى طمس الحقائق ومنع وصول تفاصيل ما يحدث في الميدان الى الراي العام العالمي.

وبينت المتابعات ان غزة تحولت الى بقعة جغرافية تعيش في عزلة تامة عن العالم الخارجي، حيث تفتقر الى ابسط مقومات الحياة الاساسية في ظل استمرار العمليات العسكرية. واكدت ان الاجيال القادمة ستواجه تحديات هائلة لاعادة بناء ما دمرته هذه الحرب التي غيرت وجه القطاع الى الابد.