تحولت اجازات جنود الاحتلال في الخارج الى كابوس قانوني يطاردهم بعد مشاركتهم في العمليات العسكرية بقطاع غزة، حيث اصبح الجنود يواجهون مخاطر حقيقية تتعلق بفتح تحقيقات جنائية ضدهم في دول اجنبية بناء على شكاوى مرفوعة بتهم ارتكاب جرائم حرب، وهو ما حدث مع الجندي يوفال فاغداني الذي اضطر لمغادرة البرازيل على عجل بعدما اصدرت محكمة فيدرالية امرا بالتحقيق معه اثر بلاغ قدمته مؤسسة حقوقية دولية.

واظهرت هذه الواقعة ان المساءلة لم تعد حبيسة الاروقة القضائية الداخلية في اسرائيل التي طالما وفرت الحماية لجنودها، بل امتدت لتشمل تفعيل مبدأ الولاية القضائية العالمية الذي يسمح للدول بملاحقة مرتكبي الانتهاكات الجسيمة حتى لو وقعت الجريمة خارج حدودها، وبينت المعطيات ان التوثيق الرقمي الذي قام به الجنود انفسهم عبر نشر صور ومقاطع فيديو من داخل الميدان قد سهل بشكل كبير عمليات تحديد هوياتهم وتقديمهم للعدالة الدولية.

واكدت تقارير حقوقية ان الاعتماد على التحقيقات الداخلية الاسرائيلية بدأ يفقد مصداقيته امام المجتمع الدولي، خاصة مع التناقض الصارخ في التعامل مع ملفات الانتهاكات، حيث يتم اغلاق ملفات مقتل عمال الاغاثة تحت ذريعة الاخطاء العملياتية بينما تضطر المؤسسة العسكرية لفتح تحقيقات محدودة تحت الضغط القانوني الخارجي مما دفع النشطاء للجوء الى القضاء العالمي كمسار بديل لتحقيق العدالة.

الجنود يوثقون الادلة ضد انفسهم

وكشفت التحركات القانونية ان العديد من الملفات القضائية بدأت بفضل المنشورات التي شاركها الجنود على حساباتهم الشخصية، واضافت المصادر ان الجيش الاسرائيلي اصبح في حالة استنفار خشية سفر جنوده الى دول قد تستجيب للشكاوى الجنائية، وهو ما تكرر في حالات عدة حيث استخدمت المؤسسات الحقوقية بصمات الجنود الرقمية لربطهم بجرائم ارتكبت في غزة وتقديمها كادلة دامغة امام الادعاء العام في دول مثل تشيلي وبلجيكا.

وبينت الوقائع ان مسار الملاحقة يتشكل من سلسلة مترابطة تبدأ من تحديد هوية الجندي عبر حساباته على مواقع التواصل، ثم اثبات تواجده في مسرح العمليات، وصولا الى رصد تحركاته خارج اسرائيل، واوضح المراقبون ان هذه الاستراتيجية جعلت من حرية السفر التي كان يتمتع بها الجنود سابقا مصدرا دائما للقلق والخوف من الاعتقال او الاستجواب.

وشددت المؤسسات الحقوقية على ان الهدف من هذه التحركات هو سد ثغرة الافلات من العقاب، موضحة ان كل جندي شارك في الحرب اصبح عرضة للمساءلة في اي دولة تتبنى قوانين الولاية القضائية العالمية، مما يفرض قيودا غير مسبوقة على حركة العسكريين الاسرائيليين الذين اصبحوا مطالبين بالحذر الشديد من الكشف عن هوياتهم او تحركاتهم امام عدسات الكاميرات.

بلجيكا والبرازيل ساحات للمواجهة القضائية

وكشفت التجارب في بلجيكا ان السلطات القضائية بدأت تتعامل بجدية مع هذه الملفات، حيث قامت الشرطة باستجواب جنود اسرائيليين وصلوا للمشاركة في مهرجانات دولية، واضافت التقارير ان الادعاء الفيدرالي البلجيكي لم يكتف بالتحقيق الميداني بل احال الملفات الى المحكمة الجنائية الدولية لتعزيز مسار العدالة وضمان عدم ضياع الادلة وسط التعقيدات القانونية الدولية.

واظهرت حالة الجندي في البرازيل ان وجود المتهم على الاراضي الوطنية هو المفتاح الحقيقي لتفعيل الاجراءات، حيث اصدرت المحكمة الفيدرالية قرارا بالتحقيق الفوري، مما اجبر الجندي على الفرار قبل اكتمال الاجراءات، واكد قانونيون ان هذه الحالات تثبت ان العالم بدأ يضيق الخناق على المتورطين في جرائم الحرب، رغم التحديات الكبيرة التي تواجهها المحاكم في اثبات الاختصاص القضائي في كل دولة.

وبينت الاحصائيات ان مؤسسة هند رجب قدمت عشرات الشكاوى ضد جنود في دول مختلفة، ورغم ان نسبة محدودة منها ادت الى تحقيقات فعلية، الا ان التأثير النفسي والقانوني على الجنود اصبح واقعا ملموسا، واضاف الخبراء ان المسار القضائي طويل ومعقد ولكنه يمثل بداية فعلية لكسر حاجز الحصانة التي تمتع بها جنود الاحتلال لعقود طويلة.