تتجاوز فاتورة الحرب في قطاع غزة كل التوقعات مع مرور سنوات على اندلاعها، حيث كشفت الاحصائيات الرسمية ان عدد الشهداء تخطى حاجز 74 الفا، بينهم اعداد ضخمة من الاطفال والنساء، بينما لا يزال الالاف تحت الانقاض في ظل دمار طال اكثر من 82 بالمئة من المباني، واظهرت بيانات وزارة الصحة ان اعداد المصابين تجاوزت 175 الفا، الكثير منهم يعانون من عجز دائم، واضاف المكتب الاعلامي الحكومي ان هناك اكثر من 2700 عائلة فلسطينية محيت بالكامل من السجل المدني، مما يعكس حجم الكارثة الانسانية التي خلفتها الهجمات المتكررة.
وبينت التقارير ان استهداف الطواقم الطبية والمسعفين اصبح سمة بارزة في هذا النزاع، حيث اثارت قضايا استهداف المستشفيات وقتل الكوادر الصحية اهتماما دوليا واسعا، واكدت المعطيات الميدانية ان الحرب لم تكتف بحصد الارواح بل طالت كل مفاصل الحياة، واوضحت ان الاحداث الدامية التي شهدتها المستشفيات ومراكز الايواء ستبقى شاهدا على قسوة الظروف التي يعيشها السكان يوميا.
وذكرت مصادر طبية ان القطاع الصحي يعاني من انهيار شبه كامل، حيث تضررت اكثر من 94 بالمئة من المنشآت الطبية، واضاف مدير الاغاثة الطبية في غزة الدكتور محمد ابو عفش ان النقص الحاد في الادوية والمحاليل الطبية يتجاوز 60 و80 بالمئة على التوالي، واوضح ان المستشفيات تفتقر لابسط المقومات والاجهزة الحيوية، مما يجعل تقديم الرعاية الصحية امرا اشبه بالمستحيل في ظل القيود المفروضة.
المستشفيات بين نقص الامكانات واستهداف الطواقم
واكدت التقارير ان العاملين في القطاع الصحي تحولوا الى اهداف مباشرة، حيث تعرض العديد من الاطباء والمسعفين للاعتقال او القتل، وبينت ان استمرار الكوادر في العمل رغم الركام ونقص الامكانات يعد محاولة مستميتة للحفاظ على ما تبقى من منظومة صحية، واشار الى ان اقتحام المستشفيات واعتقال الكوادر الطبية فاقم من معاناة المرضى الذين فقدوا ملاذهم الاخير.
واضافت منظمة الصحة العالمية ان نقص الوقود والمستلزمات الطبية ادى الى شلل في الخدمات الصحية، واوضحت ان صيانة المعدات المتهالكة اصبحت معضلة كبرى بسبب منع ادخال قطع الغيار، وشدد الاطباء على ان استمرار العمل في هذه الظروف يتطلب دعما دوليا عاجلا قبل ان تنهار المنظومة بالكامل.
واكدت التقارير ان الوضع الغذائي في غزة يزداد سوءا مع اغلاق المعابر وتدمير البنية الزراعية، وبينت المقررة الاممية المعنية بالحق في الغذاء صوفيا مونسالفي سواريز ان الوصول الانساني لا يزال مقيدا بشكل كبير، واوضحت ان نقص المياه والوقود والمواد الاساسية جعل الامن الغذائي في ادنى مستوياته، واضافت ان الاحداث الدامية المرتبطة بتوزيع المساعدات تعكس مدى جوع السكان وحاجتهم الماسة.
الغذاء في مهب الريح وازمات التعليم المتفاقمة
واوضحت التقارير ان التصنيف الدولي للامن الغذائي اكد وقوع مجاعة في محافظات القطاع، واضافت ان منع دخول البذور والاسمدة والمواشي حال دون استعادة السكان لقدرتهم على الانتاج المحلي، وشددت على ان الحل يكمن في فتح المعابر بشكل دائم والسماح بدخول المساعدات دون قيود، واكدت ان استمرار الوضع الحالي سيفاقم من الازمة الانسانية الى مستويات غير مسبوقة.
وبين محمد ابو جاسر نائب رئيس اتحاد المعلمين ان التعليم في غزة تعرض لما يشبه الابادة، حيث دمرت 97 بالمئة من المؤسسات التعليمية، واضاف ان الطلاب فقدوا مهاراتهم الاساسية بسبب انقطاعهم عن الدراسة، واوضح ان تحويل المدارس الى مراكز ايواء فاقم من الفاقد التعليمي، واكد ان استعادة المنظومة التعليمية تتطلب خططا وطنية وبرامج تربوية واسعة لا تقتصر على توفير اماكن للدراسة.
وكشفت التقديرات ان المعلمين يعانون بدورهم من صدمات نفسية واقتصادية، مما يجعل العملية التعليمية في الخيام عملية محفوفة بالتحديات، واضاف ان الطلاب يحتاجون الى دعم نفسي واجتماعي مكثف بالتوازي مع الدروس الاكاديمية، وشدد على ان ضياع سنوات من التعليم يتطلب جهدا دوليا واقليميا طويلا لتعويض ما فات الاجيال الناشئة.
واقع ما بعد الحرب وامال التعافي
واكدت التقارير ان الحرب امتدت لتشمل مشهدا اقليميا واسعا، مع استمرار الاقتحامات والتهجير في الضفة الغربية وتوسع المواجهات، واضافت ان المفاوضات المتعثرة والهدن المؤقتة لم تنجح في وقف القصف بشكل دائم، واوضحت ان اتساع المساحات الخاضعة للسيطرة العسكرية جعل عودة السكان الى منازلهم حلما بعيد المنال، واكدت ان الحصيلة البشرية المرتفعة منذ توقف القتال تشير الى ان الخطر لا يزال قائما.
وبينت ان المستقبل لا يزال معلقا في ظل عدم حسم ملف الاعمار والادارة الانتقالية، واضافت ان الانقسام السياسي يعيق جهود التعافي، واكدت ان الفلسطينيين لا يزالون متمسكين بارادتهم في اعادة بناء حياتهم، واوضحت ان توفر الموارد والارادة السياسية يمكن ان يفتحا الطريق نحو استعادة الحد الادنى من الحياة الكريمة في القطاع.
واضافت ان مرحلة الاسعاف التعليمي والصحي تعد الاولوية القصوى الان، واوضحت ان المجتمع الدولي مطالب بالتدخل الفوري لرفع القيود عن حركة المساعدات والمستلزمات الاساسية، وشددت على ان غزة تحتاج الى رؤية شاملة تتجاوز مجرد ادخال المساعدات، لتصل الى مرحلة اعادة الاعمار الشامل وضمان الامن والاستقرار لسكان القطاع.
