تتصاعد المخاوف في قطاع غزة من نشوب نزاعات عقارية واسعة النطاق في المستقبل القريب نتيجة تدمير وفقدان وثائق الملكية الرسمية التي تثبت حقوق المواطنين في منازلهم وأراضيهم. واكدت تقارير ميدانية ان الحرب لم تكتف بهدم البنيان بل امتدت لتطال السجلات والاوراق الثبوتية التي كانت تحفظ الحقوق المدنية للمواطنين تحت الانقاض.
واضاف رئيس سلطة الاراضي زاهر كحيل ان هناك مؤشرات قوية على تعرض ملفات ورقية للحرق بصورة متعمدة وهو ما يهدد بضياع حقوق عقارية لا يمكن تعويضها بسهولة. وبين ان هذه الممارسات تهدف الى خلق حالة من البلبلة القانونية وتغذية الصراعات بين المواطنين حول ملكية العقارات والاراضي بعد انتهاء العمليات العسكرية.
وكشفت شهادات لنازحين من مناطق متفرقة عن فقدانهم لكافة مستنداتهم الشخصية وعقود ملكية منازلهم التي تحولت الى ركام. واوضح هؤلاء انهم يواجهون تحديا وجوديا يتمثل في كيفية استعادة اثبات حقهم في المكان الذي عاشوا فيه لعقود طويلة بعد ان مسحت الحرب معالمهم.
طمس معالم الملكية في غزة
وتشير التقديرات الى ان العمليات العسكرية المستمرة ادت الى سيطرة القوات على مساحات شاسعة من القطاع مما جعل الوصول الى الوثائق المخزنة في المؤسسات الرسمية او المنازل الخاصة امرا مستحيلا. واكد خبراء قانونيون ان تغيير الجغرافيا ومسح الاحياء السكنية بالكامل يفتح الباب امام نزاعات معقدة حول حدود الملكية والاراضي المتداخلة.
واشار المحامي محمد شتيوي الى ان الازمة ستتفاقم بشكل كبير عند عودة السكان الى مناطقهم حيث سيصطدم الجميع بواقع اختفاء الحدود الفاصلة بين العقارات. واضاف ان غياب الوثائق الاصلية سيجعل من الصعب على العائلات حصر الميراث او الفصل في الخلافات بين الجيران حول احقية كل فرد في ارضه.
وتابع ان تداعيات هذه الازمة قد تستمر لسنوات طويلة بعد توقف الحرب لتشمل قضايا التعويضات واعادة الاعمار التي تتطلب بالضرورة وجود دليل قانوني قاطع على الملكية. وبين ان الجهات المعنية ستجد نفسها امام معضلة كبيرة في التحقق من صحة الادعاءات في ظل فقدان المرجع الورقي الرسمي.
محاولات الحماية عبر الارشفة الالكترونية
وكشفت سلطة الاراضي عن جهود حثيثة تبذلها منذ بداية التصعيد لأرشفة كافة بيانات الملكية الكترونيا لضمان بقائها في سجلات رقمية بعيدة عن التدمير المادي. واكدت ان هذه الخطوة تعد طوق نجاة اخير للحفاظ على الحقوق التاريخية للمواطنين في حال ضياع النسخ الورقية او تلفها.
واضاف ان التحدي يكمن في طول فترة الحرب وحجم الدمار الذي طال البنية التحتية للمؤسسات مما يعيق اتمام عمليات الحصر بشكل شامل ودقيق. وبين ان جمع ما تبقى من وثائق لدى المواطنين والمحامين سيمثل جزءا محوريا من استراتيجية ما بعد الحرب لاستعادة الحقوق.
واوضح ان ملف التعويضات سيعتمد بشكل اساسي على هذه السجلات الرقمية للتحقق من هوية المستحقين قبل البدء في اي مشاريع اعمار. وشدد على ان الوثيقة القانونية تظل هي الضمان الوحيد للربط بين الانسان وارضه في مواجهة محاولات طمس الهوية العقارية.
تحديات ما بعد الحرب
وتتزايد التساؤلات حول كيفية استعادة الحقوق في ظل غياب المستندات التي تثبت الملكية لا سيما مع تعقيدات توريث العقارات للأبناء والاحفاد. واكدت ام نضال وهي نازحة من شمال القطاع ان معاناتها لا تقتصر على فقدان المسكن بل في عدم قدرتها على تقديم دليل يثبت ملكيتها امام الجهات الرسمية مستقبلا.
واضاف مراقبون ان الصراع القادم قد لا يكون فقط مع الاحتلال بل صراعا داخليا على الحدود والحقوق في حال لم يتم التوصل الى حلول قانونية عادلة توثق الملكيات بناء على قواعد بيانات بديلة. وبين ان المجتمع المحلي يحتاج الى تكاتف الجهود لتوثيق الشهادات والادلة التي يمكن ان تعوض جزءا من النقص في السجلات الرسمية.
وختم التقرير بأن البيت يمكن اعادة بنائه ماديا لكن استعادة الحق القانوني تظل هي المعركة الاصعب والاكثر تعقيدا في مسار اعادة الاعمار الشامل للقطاع.
