تتواصل فصول المعاناة في قطاع غزة بعد انقضاء سنوات على اندلاع الحرب التي تركت خلفها ندوبا لا تندمل في أرواح الناجين. ولا يزال شبح القتل والتهجير يلاحق الأهالي في كل زاوية. بينما يقف الحصار حاجزا منيعا أمام وصول أدنى مقومات الحياة. ويحاول من تبقوا على قيد الحياة استجماع شتات أنفسهم وسط ذكريات مؤلمة ووجوه غيبها الموت دون وداع.

واستعرض الناجون في جولات ميدانية داخل خيام النزوح حجم الفقد الذي طال كل تفاصيل حياتهم. وكشف الطبيب محمد سلمان عن مأساة حقيقية بفقدانه مئتي فرد من عائلته بينهم شقيقه الذي فارق الحياة بين يديه داخل المستشفى. واضاف ان خسارة منزله تبدو ضئيلة امام وجع الفقد البشري الذي لا يعوض.

وبين المسن سعد سلامة انه فقد عددا كبيرا من أقاربه وجيرانه في حي الشجاعية تحت ركام القصف. واكد ان تدمير سبع شقق سكنية كانت تأوي أفراد عائلته ضاعف من شعوره بالضياع. وشدد على ان رحلات النزوح المتكررة لم تكن سوى محطات إضافية في مسلسل الألم الطويل الذي يعيشه يوميا.

حكايات فقدان لا تنتهي

وكشفت ديما النبية عن فاجعة استشهاد نجلها وابنتها المسعفة مع أطفالهم جميعا في غارة وحشية. وأوضحت ان ابنتها قضت تحت ركام منزلها بينما كانت تحاول الاطمئنان عليه. وتابعت فتحية الراعي سرد معاناتها التي بدأت بفقدان زوجها وبناتها الثلاث في لحظة واحدة. واوضحت انها تعيش اليوم في خيمة تفتقر لأدنى مقومات الكرامة بعد ان كانت تنعم بدفء المنزل.

واظهرت إيمان عطا الله وجها آخر للمعاناة بعد إصابتها في قدمها أثناء رحلة النزوح القسرية من الشمال. وذكرت انها فقدت وظيفتها ومصدر دخلها الوحيد إلى جانب إصابة نجلها الذي لا يزال يعاني من تبعات جراحه. واضافت ان الحياة باتت صراعا يوميا من أجل البقاء في ظل ظروف إنسانية قاسية للغاية.

وبينت إلهام الخطيب ان رحلة عذابها بدأت عندما ظن الجميع أنها فارقت الحياة تحت القصف. واوضحت انها نقلت إلى ثلاجة الموتى قبل ان يكتشف المسعفون انها لا تزال تتنفس. واكدت انها رغم نجاتها من الغيبوبة إلا أنها فقدت أفرادا من عائلتها وتعيش اليوم آثار الصدمة والندوب الجسدية التي سترافقها طويلا.

الموت والنزوح يلاحقان الجميع

وكشفت زكية أبو ندى عن استشهاد خمسة عشر من أشقائها وأقاربها خلال الحرب المستمرة. واوضحت ان أحد أشقائها لا يزال مفقودا في سجون الاحتلال مما يزيد من قلقها وحسرتها. وأكدت انها تحفظ بتفاصيل تواريخ الفقد بدقة رغم إصاباتها التي قيدت حركتها وجعلت من حياتها سلسلة من الانتظار المؤلم.

واضافت أم محمد النادي انها تجرعت مرارة الفقد مضاعفة باستشهاد شقيقها ووالدتها ونجلها. واوضحت بحسرة أنها لم تتمكن حتى من وداع ابنها الذي لا يزال مصيره مجهولا تحت الأنقاض دون دفن. وشدد ماهر الور على ان فقدان نجله بسبب الجوع ونقص الدواء كان أصعب لحظات حياته. موضحا ان المجاعة في الشمال أضافت فصلا جديدا من الرعب إلى معاناتهم داخل خيام النزوح.

وأظهرت معطيات وزارة الصحة الفلسطينية ارتفاع أعداد الشهداء إلى أكثر من أربعة وسبعين ألفا منذ بدء الحرب. وأوضحت التقارير ان أعداد المصابين تجاوزت المئة وخمسة وسبعين ألفا. وبينت الإحصائيات ان وتيرة الاستهداف لا تزال مستمرة وتحصد أرواح المدنيين بشكل يومي رغم كل النداءات الدولية.