شهد قطاع غزة انهيارا اقتصاديا غير مسبوق نتيجة الحرب المستمرة التي طالت كافة مفاصل الحياة والإنتاج، حيث كشفت تقارير دولية ومحلية حديثة عن خروج الغالبية العظمى من المنشآت الصناعية والزراعية عن الخدمة بشكل كامل، مما أدى إلى شلل تام في حركة الأسواق وتوقف سلاسل التوريد الأساسية التي كانت تعتمد عليها الأسر الفلسطينية في معيشتها اليومية.
واظهرت البيانات أن نحو 90 بالمئة من المنشآت الصناعية التي كانت تعمل سابقا قد تعرضت للدمار أو التضرر البالغ، وهو ما تسبب في فقدان عشرات الآلاف من العمال لمصادر رزقهم الوحيدة، بينما بينت الإحصائيات أن الإنتاج الصناعي والزراعي سجل تراجعا قياسيا تجاوز 94 بالمئة مقارنة بفترات الاستقرار السابقة، مؤكدة أن رأس المال الإنتاجي قد فقد قدرته التشغيلية بشكل شبه نهائي.
واكدت تقديرات مؤتمر الأمم المتحدة للتجارة والتنمية أن حجم الخسائر المباشرة في قطاعي التجارة والصناعة قد تجاوز حاجز الستة مليارات دولار، واضافت أن أكثر من 92 بالمئة من المنشآت الاقتصادية في القطاع باتت خارج الخدمة، مما يعكس عمق الفجوة التي خلفتها الحرب في البنية التحتية والمنظومة الاقتصادية المتداعية.
تداعيات كارثية على معيشة السكان
وبينت المؤشرات الاقتصادية أن معدلات البطالة ارتفعت إلى مستويات قياسية بلغت 78 بالمئة، واوضحت أن أسعار السلع الأساسية قفزت بنحو 274 بالمئة، مما أدى إلى تآكل القدرة الشرائية للمواطنين الذين باتوا يواجهون ظروفا معيشية بالغة القسوة في ظل غياب الدخل وتوقف عجلة الإنتاج المحلي.
وذكرت تقارير أممية أن فاتورة الدمار المباشر في المباني والأصول والبنية التحتية وصلت إلى نحو 35 مليار دولار، واشارت إلى أن الخسائر الناتجة عن توقف النشاط الاقتصادي والاجتماعي أضافت نحو 23 مليار دولار أخرى إلى فاتورة الخسائر الإجمالية، مما يجعل من عملية التعافي تحديا زمنيا وماليا ضخما.
وكشفت بيانات الجهاز المركزي للإحصاء الفلسطيني أن أكثر من 200 ألف مبنى في غزة قد تضرر، منها 134 ألف مبنى سوي بالأرض تماما، واضافت أن القطاع الزراعي لم ينجُ من هذا الدمار حيث لم يتبق سوى أقل من 1.5 بالمئة من الأراضي الزراعية صالحة للاستخدام، مما يهدد الأمن الغذائي للسكان بشكل مباشر ومستدام.
مسار التعافي يتطلب مليارات الدولارات
واظهرت الأرقام تراجع مساهمة غزة في الناتج المحلي الفلسطيني من 17 بالمئة إلى أقل من 4 بالمئة، واكدت أن هذا الانكماش يعكس حجم التهميش الاقتصادي الذي فرضته الحرب على القطاع، مما يجعله في حاجة ماسة إلى استراتيجيات إعادة إعمار شاملة تتجاوز حدود الترميم التقليدي.
وبينت التقديرات الدولية أن إعادة بناء ما دمرته الحرب يتطلب استثمارات تفوق 71 مليار دولار، واوضحت أن هذا المبلغ يغطي فقط الحد الأدنى من احتياجات البنية التحتية والمنشآت الاقتصادية، مشيرة إلى أن الطريق نحو استعادة الحياة الاقتصادية الطبيعية سيبقى طويلا ومعقدا في ظل استمرار الحصار والدمار.
واضافت المصادر أن التحدي الأكبر يكمن في تهيئة الظروف لعودة الأسواق والنشاط التجاري للعمل من جديد، وشددت على أن أي خطة للتعافي يجب أن تركز على استعادة القدرة الإنتاجية وتوفير فرص العمل، وذلك لضمان عدم استمرار التدهور الاجتماعي والاقتصادي الذي يلقي بظلاله الثقيلة على مستقبل المنطقة.
