تتحول التغطية الاعلامية في قطاع غزة الى ملحمة انسانية ومهنية غير مسبوقة في تاريخ الصحافة العالمية، حيث وجد الصحفي الفلسطيني نفسه منتقلا من دور الناقل للخبر الى هدف مباشر ومستباح للاستهداف الاسرائيلي، فلم يعد المراسل مجرد شاهد على الاحداث بل اصبح جزءا لا يتجزأ من المشهد المأساوي يوثق الجرائم تحت القصف المستمر ويكمل رسالته المهنية رغم فقدان زملائه امام عينيه.

واضاف الصحفي المصور خميس الريفي ان الحرب فرضت على العاملين في الميدان واقعا قاسي، اذ اصبحت الكاميرا التي يحملونها في مواجهة مباشرة مع الرصاص والقناص، مستذكرا موقفا مؤلما في مخيم النصيرات حين كان يرافق زميله سعيد نبهان لتغطية نقل المصابين، قبل ان يرتقي الاخير شهيدا بطلقة غادرة وهما متلاصقان، واكد الريفي انه اصر على مواصلة التوثيق وحمل الكاميرا ايمانا منه بالامانة الملقاة على عاتقه رغم غياب اي حماية دولية للصحفيين.

وبين الصحفي عبد الحكيم ابو رياش ان الاحتلال يسعى من خلال استهداف الصحفيين الى طمس الحقيقة ومنع العالم من رؤية ما يحدث، حيث قتل الاحتلال اكثر من 260 صحفيا ومنع دخول الطواقم الاجنبية للقطاع لضمان عدم وجود شهود عيان على جرائم الابادة، واشار ابو رياش الى ان دماء الصحفيين هي الضريبة التي يدفعونها مقابل نقل الصورة والرسالة للعالم مؤكدا استمرارهم في اداء واجبهم مهما كانت الظروف.

ذاكرة الابادة بين الخيمة والدم

واوضحت الصحفية امل حبيب انها لم تتخيل يوما ان تكون جزءا من ذاكرة الابادة الجماعية التي تمحو غزة بتاريخها وجغرافيتها وديموغرافيتها، وكشفت خلال حديثها ان غرفة الاخبار الميدانية اصبحت عبارة عن خيمة بسيطة، وان الرصيف المجاور لها قد ارتوى بدماء الزملاء الذين استشهدوا في سبيل نقل الحقيقة، ومن بينهم انس الشريف ومحمد الخالدي ومحمد قريقع واسماعيل الغول.

واضافت حبيب ان الصحفي الفلسطيني يعيش اليوم حالة مزدوجة فهو الشاهد والشهيد والنازح والمجوع في آن واحد، مشيرة الى ان الزملاء يسابقون الزمن لتأمين احتياجاتهم الاساسية من ماء وطعام في طوابير طويلة، مع الاستعداد الدائم لمواجهة الشتاء داخل الخيام، واستحضرت كلمات شيرين ابو عاقلة الاخيرة حول عدم اتضاح الصورة، مؤكدة ان الاحتلال قتل شيرين رغم ارتدائها درع الصحافة، وهي تقف اليوم لتكمل تلك المسيرة حتى تتضح الصورة للعالم.

واكد امين سر نقابة الصحفيين في غزة عاهد فراونة ان الاستهداف الممنهج ادى الى استشهاد اكثر من 260 صحفيا واصابة واعتقال المئات، مع تدمير كافة المؤسسات الاعلامية في القطاع، واوضح فراونة ان الاحتلال يفرض قيودا لوجستية حادة اضطرت الصحفيين للعمل من داخل مراكز الايواء والمستشفيات، وهي اماكن لم تسلم بدورها من نيران القصف الاسرائيلي المتواصل.