كشفت التوترات الاخيرة بين لندن وتل ابيب حول وضع القنصلية البريطانية في القدس عن عمق الصراع الدبلوماسي الذي يتجاوز مجرد خلافات اجرائية، حيث تسعى السلطات الاسرائيلية الى تقويض اي حضور دولي مستقل في المدينة لتعزيز مزاعم السيادة الكاملة عليها، وهو ما يراه مراقبون خطوة استراتيجية تهدف الى تضييق الخناق على الفلسطينيين وقطع الطريق امام اي فرص حقيقية لاقامة دولتهم المستقلة.
واوضحت تقارير صحفية ان الضغوط الاسرائيلية لاغلاق القنصلية جاءت ردا على توجهات بريطانية لفرض عقوبات اقتصادية صارمة على المستوطنات في الضفة الغربية، حيث هدد مسؤولون اسرائيليون باتخاذ خطوات تصعيدية ضد البعثة الدبلوماسية، مما دفع الجانبين الى الدخول في مفاوضات انتهت بتسوية تقضي باعادة تصنيف القنصلية كبعثة دبلوماسية مع تقليص طاقمها، لكنها حافظت على استقلاليتها عن السفارة في تل ابيب.
واكد المحلل السياسي دانيال سيدمان ان هذا الاتفاق لا يمثل نصرا لاي طرف بل هو اقرب الى خيار سياسي اضطراري، مبينا ان الحضور البريطاني التاريخي في المدينة قد تعرض لعملية خفض في درجته الدبلوماسية، وهو ما يخدم الرؤية الاسرائيلية في فرض واقع يقلل من اهمية التمثيل الدولي المستقل الذي لا يعترف بسيادة الاحتلال على القدس.
خصوصية دبلوماسية تزعج الاحتلال
وبينت الوقائع التاريخية ان وضع القنصلية البريطانية يرتبط بترتيبات تعود الى ما قبل عام 1948، حيث كانت تعبر عن رؤية دولية للقدس كمنطقة ذات وضع خاص ومحايد، ووجود هذه القنصليات المستقلة في القدس الشرقية يزعج اسرائيل لانها ترفع تقاريرها المباشرة الى عواصم بلدانها بعيدا عن السلطة الاسرائيلية.
واضاف المحللون ان هذا الوضع يستند الى قرارات الامم المتحدة التي اقترحت تقسيم فلسطين وجعل القدس كيانا منفصلا، وهو المبدأ الذي ترفضه اسرائيل التي احتلت المدينة وتعمل منذ عقود على فرض الامر الواقع، حيث يرى الخبراء ان استهداف هذه البعثات هو جزء من حملة شاملة لنزع اي اعتراف دولي بغير السيادة الاسرائيلية على المدينة.
واشار المراقبون الى ان اسرائيل تستخدم الضغوط الدبلوماسية كاداة للضغط على الدول الكبرى لثنيها عن اتخاذ مواقف داعمة للحقوق الفلسطينية، موضحين ان اي حضور دبلوماسي لا يتماشى مع التوجهات الاسرائيلية يصبح هدفا مباشرا للمضايقات والتهديدات السياسية.
العقوبات كأداة لكبح التوسع الاستيطاني
واظهرت التحركات البريطانية الاخيرة ان هناك توجها جديا لفرض اثمان حقيقية على سياسات التوسع الاستيطاني، خاصة بعد ان بدأت المصارف الاسرائيلية تشعر بالقلق من تبعات هذه العقوبات، مما دفعها للتردد في تمويل مشاريع بناء في مناطق حساسة مثل مشروع اي 1 الاستيطاني.
واوضح وزير الخارجية البريطاني ان التوقيت لم يكن عشوائيا بل جاء ردا على طرح مناقصات استيطانية تهدف الى فصل اجزاء حيوية من الضفة الغربية، حيث يرى مسؤولون اسرائيليون ان هذه المشاريع هي الوسيلة الانجع لدفن اي امكانية لقيام دولة فلسطينية متصلة جغرافيا.
وختم السفير الاسرائيلي السابق ايلان باروخ بالقول ان التهديدات ضد القنصلية كشفت ان لندن بدات تفرض ثمنا ملموسا على السياسات الاسرائيلية، موضحا ان التراجع الاسرائيلي عن التصعيد الكامل مقابل تغيير اسم البعثة يظهر وجود توازنات دقيقة تتيح للطرفين حفظ ماء الوجه في ظل استمرار التجاذبات الدولية.
